وذهب الحنابلة إلى أنّ العبرة بتمام تسع سنين . فإن رأت من الدّم ما يصلح أن يكون حيضًا وقد بلغت هذه السّنّ حكم بكونه حيضًا . وثبتت في حقّها أحكام الحيض كلّها .
قالت عائشة رضي الله عنها: « إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة » . « وروي مرفوعًا من رواية ابن عمر » .
وهناك أقوال أخرى في أقلّ سنّ تحيض له المرأة فقيل ستّ ، وقيل سبع . وقيل اثنتا عشرة . وقيل لا يحكم للدّم بأنّه حيض إلاّ إذا كان في أوان البلوغ بمقدّمات وأمارات من نفور الثّدي ونبات شعر العانة ، وشعر الإبط وشبهه . وكلّها أقوال ضعيفة .
كما اختلف الفقهاء في أكبر سنّ تحيض فيه المرأة - ويسمّى بسنّ الإياس ، وتسمّى المرأة آيسةً - فذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه لا يحدّ بمدّة .
قال الحنفيّة: بل هو أن تبلغ من السّنّ ما لا تحيض مثلها فيه ، فإذا بلغت هذه السّنّ وانقطع دمها حكم بإياسها . فإذا لم تبلغها وانقطع دمها ، أو بلغتها والدّم يأتيها على العادة فليست بآيسة ، لأنّه حينئذ ظاهر في أنّه ذلك المعتاد ، وعود العادة يبطل الإياسة .
وقد فسّر بعضهم هذا بأنّه تراه سائلًا كثيرًا احترازًا عمّا إذا رأت بلّةً يسيرةً ونحوها .
وقيّدوه بأن يكون أحمر ، أو أسود ، فلو كان أصفر أو أخضر أو تربيّةً لا يكون حيضًا . وبعضهم قال: إنّها إذا كانت عادتها قبل الإياس أن يكون دمها أصفر فرأته كذلك ، أو علقًا فرأته كذلك كان حيضًا . واستظهر ابن عابدين هذا القول . وحدّ التّمرتاشيّ سنّ الإياس بخمسين سنةً ، وقال: وعليه المعوّل .
وقال الحصكفيّ: وعليه الفتوى في زماننا . وحدّه كثير منهم بخمس وخمسين سنةً .
وقد صرّح الحنفيّة بأنّ المرأة إذا رأت الدّم الخالص بعد تلك المدّة فإنّه حيض ، وكذا لو لم يكن خالصًا وكانت عادتها كذلك . وقال الشّافعيّة وابن تيميّة من الحنابلة: لا حدّ لآخر سنّ الحيض بل هو ممكن ما دامت المرأة حيّةً . وقال المحامليّ: آخره ستّون سنةً .
قال الرّمليّ: ولا منافاة بين القول بأنّه لا حدّ لآخره ، والقول بتحديده باثنتين وستّين سنةً لأنّه باعتبار الغالب حتّى لا يعتبر النّقص عنه .
وعند المالكيّة أقوال لخصّها العدويّ بقوله: بنت سبعين سنةً ليس دمها بحيض ، وبنت خمسين يسأل النّساء ، فإن جزمن بأنّه حيض أو شككن فهو حيض وإلاّ فلا ، والمراهقة وما بعدها للخمسين يجزم بأنّه حيض ولا سؤال ، والمرجع في ذلك العرف والعادة .
وذهب الحنابلة إلى أنّ أكثر سنّ تحيض فيه المرأة خمسون سنةً ، لقول عائشة رضي الله عنها:"إذا بلغت المرأة خمسين سنةً خرجت من حدّ الحيض"وقالت أيضًا:"لن ترى في بطنها ولدًا بعد الخمسين". وجاء في الإنصاف نقلًا عن المغني في العدد: وإن رأت الدّم بعد الخمسين على العادة الّتي كانت تراه فيها فهو حيض في الصّحيح .وينظر مصطلح ( إياس ) .
فترة الحيض:
11 -اختلف الفقهاء في أقلّ فترة الحيض وأكثرها .
فذهب الحنفيّة إلى أنّ أقلّ الحيض ثلاثة أيّام بلياليها - وقدّروها باثنتين وسبعين ساعةً ، وأكثره عشرة أيّام بلياليها . قال ابن عابدين: وقد روي ذلك عن ستّة من الصّحابة بطرق متعدّدة فيها مقال يرتفع بها الضّعيف إلى الحسن . وقال الكمال بن الهمام: والمقدّرات الشّرعيّة ممّا لا تدرك بالرّأي ، فالموقوف فيها حكمه الرّفع .
وذهب المالكيّة إلى أنّه لا حدّ لأقلّه بالزّمان ، ولذلك بيّنوا أقلّه في المقدار وهو دفعة ، قالوا: وهذا بالنّسبة إلى العبادة ، وأمّا في العدّة والاستبراء فلا بدّ من يوم أو بعضه .
وأمّا أكثره فإنّه يختلف عندهم بوجود الحمل وعدمه . فأكثر الحيض لغير الحامل خمسة عشر يومًا سواء كانت مبتدأةً أو معتادةً ، غير أنّ المعتادة - وهي الّتي سبق لها حيض ولو مرّةً - تستظهر ثلاثة أيّام على أكثر عادتها إن تمادى بها . فإذا اعتادت خمسةً ثمّ تمادى مكثت ثمانيةً ، فإن تمادى في المرّة الثّالثة مكثت أحد عشر . فإن تمادى في الرّابعة مكثت أربعة عشر ، فإن تمادى في مرّة أخرى مكثت يومًا ولا تزيد على الخمسة عشر .
وأمّا الحامل - وهي عندهم تحيض - فأكثر حيضها يختلف باختلاف الأشهر سواء كانت مبتدأةً أو معتادةً .
قال مالك: ليس أوّل الحمل كآخره ، ولذلك كثرت الدّماء بكثرة أشهر الحمل .
فإذا حاضت الحامل في الشّهر الثّالث من حملها ، أو الرّابع ، أو الخامس واستمرّ الدّم نازلًا عليها كان أكثر الحيض في حقّها عشرين يومًا ، وما زاد على ذلك فهو دم علّة وفساد .
وإذا حاضت في الشّهر السّابع من حملها ، أو الثّامن ، أو التّاسع منه واستمرّ الدّم نازلًا عليها كان أكثر الحيض في حقّها ثلاثين يومًا . وأمّا إذا حاضت في الشّهر السّادس فحكمه حكم ما بعده من الأشهر لا ما قبله وعلى هذا جميع شيوخ أفريقيّة وهو المعتمد . وظاهر المدوّنة أنّ حكمه حكم ما قبله وهو خلاف المعتمد .
وإذا حاضت في الشّهر الأوّل أو الثّاني فهي كالمعتادة غير الحامل تمكث عادتها ، والاستظهار وهو قول مالك المرجوع إليه وهو الرّاجح .
قال ابن يونس: الّذي ينبغي على قول مالك الّذي رجع إليه أن تجلس في الشّهر والشّهرين قدر أيّامها والاستظهار ، لأنّ الحمل لا يظهر في شهر ولا في شهرين فهي محمولة على أنّها حائل حتّى يظهر الحمل ولا يظهر إلاّ في ثلاثة أشهر .
والقول الثّاني هو أنّ حكم الحيض في الشّهر الأوّل والثّاني حكم ما بعده أي الشّهر الثّالث وهو قول مالك المرجوع عنه .