5 -صرّح جمهور الفقهاء بأنّه يجوز جمع الأقارب في الدّفن في مقبرةٍ واحدةٍ ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا دفن عثمان بن مظعونٍ: « أدفن إليه من مات من أهلي » .
ولأنّ ذلك أسهل لزيارتهم وأكثر للتّرحّم عليهم ، ويسنّ تقديم الأب ، ثمّ من يليه في السّنّ والفضيلة إن أمكن .
الأحقّ بالدّفن:
6 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الأولى بدفن المرأة محارمها الرّجال الأقرب فالأقرب وهم الّذين كان يحلّ لهم النّظر إليها في حياتها ولها السّفر معهم ، لما روي عن عمر رضي الله عنه أنّه قام عند منبر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حين توفّيت زينب بنت جحشٍ رضي الله عنها ، فقال: ألا إنّي أرسلت إلى النّسوة من يدخلها قبرها ، فأرسلن: من كان يحلّ له الدّخول عليها في حياتها ، فرأيت أن قد صدقن .
ولأنّ امرأة عمر رضي الله تعالى عنهما لمّا توفّيت قال لأهلها:أنتم أحقّ بها .
ولأنّهم أولى النّاس بولايتها حال الحياة ، فكذا بعد الموت ، ثمّ زوجها ، لأنّه أشبه بمحرمها من النّسب من الأجانب ، ولو لم يكن فيهم ذو رحمٍ فلا بأس للأجانب وضعها في قبرها ، ولا يحتاج إلى إحضار النّساء للدّفن ، «لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حين ماتت ابنته أمر أبا طلحة ، فنزل في قبر ابنته » . وهو أجنبيّ ، ومعلوم أنّ محارمها كنّ هناك ، كأختها فاطمة ولأنّ تولّي النّساء ، لذلك لو كان مشروعًا لفعل في عصر النّبيّ صلى الله عليه وسلم وعصر خلفائه ، ولم ينقل . ثمّ يقدّم خصيّ ، ثمّ شيخٌ ، ثمّ أفضل دينًا ومعرفةً . فإن لم يكن ، فقد روي عن أحمد أنّه قال: إنّه أحبّ إليّ أن يدخلها النّساء ، لأنّه مباح لهنّ النّظر إليها وهنّ أحقّ بغسلها ، القربى فالقربى كالرّجال .
واستثنى الشّافعيّة الزّوج ، فإنّه أحقّ من غيره ، لأنّ منظوره أكثر .
ونصّ المالكيّة بأنّ الميّت إن كان رجلًا فيضعه في قبره الرّجال ، وإن كانت امرأةً فيتولّى ذلك زوجها من أسفلها ومحارمها من أعلاها ، فإن لم يكن فصالحوا المؤمنين ، فإن وجد من النّساء من يتولّى ذلك فهو أولى من الأجانب .
وقال الشّافعيّة والحنابلة: إنّ الأولى بدفن الرّجال أولاهم بغسله والصّلاة عليه ، فلا ينزل القبر إلاّ الرّجال متى وجدوا ، « لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لحده العبّاس وعليّ وأسامة رضي الله عنهم » ، وهم الّذين كانوا تولّوا غسله ، ولأنّ المقدّم بغسله أقرب إلى ستر أحواله ، وقلّة الاطّلاع عليه ، ثمّ أقرب العصبة ، ثمّ ذوو أرحامه الأقرب فالأقرب ، ثمّ الرّجال الأجانب ، ثمّ من محارمه من النّساء ، ثمّ الأجنبيّات ، للحاجة إلى دفنه وعدم غيرهنّ .
أمّا دفن القاتل للمقتول: فقد صرّح الحنابلة بأنّه لا حقّ له في دفنه ، لمبالغته في قطيعة الرّحم .
دفن المسلم للكافر:
7 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّه لا يجوز للمسلم أن يدفن كافرًا ولو قريبًا إلاّ لضرورةٍ ، بأن لا يجد من يواريه غيره فيواريه وجوبًا . « لأنّه صلى الله عليه وسلم لمّا أخبر بموت أبي طالبٍ قال لعليٍّ رضي الله عنه: اذهب فواره » وكذلك قتلى بدرٍ أُلقوا في القليب ، أو لأنّه يتضرّر بتركه ويتغيّر ببقائه . ولا يستقبل به قبلتنا لأنّه ليس من أهلها ، ولا قبلتهم لعدم اعتبارها ، فلا يقصد جهةً مخصوصةً ، بل يكون دفنه من غير مراعاة السّنّة .
وكذلك لا يُترك ميّت مسلم لوليّه الكافر فيما يتعلّق بتجهيزه ودفنه ، إذ لا يؤمن عليه من دفنه في مقبرة الكفّار واستقباله قبلتهم ، وغير ذلك .
كيفيّة الدّفن:
8 -ذهب الحنفيّة إلى أنّه يستحبّ أن يدخل الميّت من قِبل القبلة بأن يوضع من جهتها ، ثمّ يحمل فيلحد ، فيكون الآخذ له مستقبل القبلة حال الأخذ .
وروي ذلك عن عليٍّ رضي الله عنه . وقال النّخعيّ: حدّثني من رأى أهل المدينة في الزّمن الأوّل يدخلون موتاهم من قبل القبلة ، وأنّ السّلّ شيء أحدثه أهل المدينة .
وقال المالكيّة: إنّه لا بأس أن يدخل الميّت في قبره من أيّ ناحيةٍ كان والقبلة أولى .
ويرى الشّافعيّة والحنابلة أنّه يستحبّ السّلّ ، بأن يوضع الميّت عند آخر القبر ثمّ يسلّ من قبل رأسه منحدرًا .
وروي ذلك عن ابن عمر وأنسٍ ، وعبد اللّه بن يزيد الأنصاريّ ، والشّعبيّ .
واستدلّوا بما روي عن ابن عمر وابن عبّاسٍ رضي الله عنهم « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سلّ من قبل رأسه سلًا » .
والخلاف بين الفقهاء هنا خلافٌ في الأولى ، وعلى هذا فإن كان الأسهل عليهم أخذه من القبلة أو من رأس القبر فلا حرج ، لأنّ استحباب أخذه من أسفل القبر إنّما كان طلبًا للسّهولة عليهم والرّفق بهم ، فإن كان الأسهل غيره كان مستحبًّا ، قال أحمد رحمه الله: كلّ لا بأس به .
ثمّ يوضع على شقّه الأيمن متوجّهًا إلى القبلة ، ويقول واضعه: بسم اللّه وعلى ملّة رسول اللّه ، لما ورد عن عبد اللّه بن عمر « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أدخل الميّت في القبر ، قال مرّةً: بسم اللّه وباللّه وعلى ملّة رسول اللّه . وقال مرّةً: بسم اللّه وباللّه وعلى سنّة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم »
ومعنى بسم اللّه ، وعلى ملّة رسول اللّه: بسم اللّه وضعناك ،وعلى ملّة رسول اللّه سلّمناك.
وقال الماتريديّ: هذا ليس دعاءً للميّت ، لأنّه إن مات على ملّة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لم يجز أن يبدّل حاله ، وإن مات على غير ذلك لم يبدّل أيضًا ، ولكنّ المؤمنين شهداء اللّه في أرضه ، فيشهدون بوفاة الميّت على الملّة ، وعلى هذا جرت السّنّة .
وفيها أقوال أخرى ذكرت في كتب الفقه .