30 -الْوِلَايَاتُ - كَالْإِمَامَةِ وَالْقَضَاءِ وَالْوِصَايَةِ وَالْحَضَانَةِ وَغَيْرِهَا - مَنَاصِبُ تَحْتَاجُ إلَى اسْتِعْدَادَاتٍ خَاصَّةٍ , بَدَنِيَّةٍ وَنَفْسِيَّةٍ , كَالْقُوَّةِ وَالْكِفَايَةِ وَالْخِبْرَةِ وَالرِّعَايَةِ وَالْحَنَانِ وَحُسْنِ التَّصَرُّفِ . وَتَخْتَلِفُ الْوِلَايَاتُ عَنْ بَعْضِهَا فِيمَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ صِفَاتٍ . وَإِذَا كَانَ الرِّجَالُ مُقَدَّمِينَ فِي بَعْضِ الْمَنَاصِبِ عَلَى النِّسَاءِ , فَذَلِكَ لِفَارِقِ التَّكْوِينِ الطَّبِيعِيِّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا , وَلِمَا مَنَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كُلَّ جِنْسٍ مِنْ صِفَاتٍ خَاصَّةٍ . وَكَذَلِكَ تُقَدَّمُ النِّسَاءُ فِي بَعْضِ الْوِلَايَاتِ ; لِتَنَاسُبِهَا مَعَ تَكْوِينِهِنَّ وَاسْتِعْدَادِهِنَّ الْفِطْرِيِّ . قَالَ الْقَرَافِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ فِي كُلِّ وِلَايَةٍ مَنْ هُوَ أَقْوَمُ بِمَصَالِحِهَا عَلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ , فَيُقَدَّمُ فِي وِلَايَةِ الْحُرُوبِ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِمَكَائِدِ الْحُرُوبِ وَسِيَاسَةِ الْجُيُوشِ , وَيُقَدَّمُ فِي الْقَضَاءِ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَشَدُّ تَفَطُّنًا لِحِجَاجِ الْخُصُومِ وَخَدْعِهِمْ . وَيُقَدَّمُ فِي أَمَانَةِ الْيَتِيمِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِتَنْمِيَةِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَتَقْدِيرِ أَمْوَالِ النَّفَقَاتِ . وَالنِّسَاءُ مُقَدَّمَاتٌ فِي بَابِ الْحَضَانَةِ عَلَى الرِّجَالِ لِأَنَّهُنَّ أَصْبَرُ عَلَى الصِّبْيَانِ وَأَشَدُّ شَفَقَةً وَرَأْفَةً . فَقُدِّمْنَ لِذَلِكَ وَأُخِّرَ الرِّجَالُ عَنْهُنَّ , وَأُخِّرْنَ فِي الْإِمَامَةِ وَالْحُرُوبِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَنَاصِبِ ; لِأَنَّ الرِّجَالَ أَقْوَمُ بِمَصَالِحِ تِلْكَ الْوِلَايَاتِ مِنْهُنَّ . وَالْقَضَاءُ مِنْ الْوِلَايَاتِ الَّتِي يُقَدَّمُ فِيهَا الرِّجَالُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ . وَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ تَقْضِيَ فِي غَيْرِ حَدٍّ وَقَوَدٍ , إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ تَوْلِيَتُهَا الْقَضَاءَ , وَيَأْثَمُ مَنْ يُوَلِّيهَا ; لِمَا فِيهِ مِنْ مُحَادَثَةِ الرِّجَالِ , وَمَبْنَى أَمْرِهِنَّ عَلَى السِّتْرِ , قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَلَوْ قَضَتْ فِي حَدٍّ وَقَوَدٍ فَرُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ يَرَى جَوَازَهُ , فَأَمْضَاهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ إبْطَالُهُ . وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ الذُّكُورِيَّةُ فِي الْقَاضِي ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُفْتِيَةً , فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَاضِيَةً . وَمِنْ الْوِلَايَاتِ الَّتِي يَصِحُّ أَنْ تُسْنَدَ إلَى الْأُنْثَى: الشَّهَادَةُ وَالْوِصَايَةُ وَنِظَارَةُ الْوَقْفِ , قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: تَصْلُحُ الْمَرْأَةُ نَاظِرَةً لِوَقْفٍ وَوَصِيَّةً لِيَتِيمٍ وَشَاهِدَةً , فَصَحَّ تَقْرِيرُهَا فِي النَّظَرِ وَالشَّهَادَةِ فِي الْأَوْقَافِ . قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى الْمَرْأَةِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ , وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ , وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ; لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه أَوْصَى إلَى حَفْصَةَ , وَلِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ فَأَشْبَهَتْ الرَّجُلَ . قَالَ الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: أُمُّ الْأَطْفَالِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا مِنْ النِّسَاءِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ ; لِوُفُورِ شَفَقَتِهَا وَخُرُوجِهَا مِنْ خِلَافِ الْإِصْطَخْرِيِّ , فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّهَا تَلِي بَعْدَ الْأَبِ وَالْجَدِّ , وَكَذَا هِيَ أَوْلَى مِنْ الرِّجَالِ أَيْضًا لِمَا ذُكِرَ , إذَا كَانَ فِيهَا مَا فِيهِمْ مِنْ الْكِفَايَةِ وَالِاسْتِرْبَاحِ وَنَحْوِهِمَا , وَإِلَّا فَلَا , قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَكَمْ مِنْ مُحِبٍّ مُشْفِقٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ الْأَرْبَاحِ وَالْمَصَالِحِ التَّامَّةِ لِمَنْ يَلِي أَمْرَهُ . هَذَا , وَشَهَادَتُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ تَكُونُ فِي الْأَمْوَالِ وَتَوَابِعِهَا فَقَطْ , وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَكُونُ فِيمَا عَدَا الْقَوَدَ وَالْحُدُودَ , وَشَهَادَتُهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ شَهَادَةِ الرَّجُلِ لقوله تعالى: { فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ } وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهَا دُونَ الرِّجَالِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ . وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي ( شَهَادَةٍ ) . وَالْوِلَايَةُ عَلَى مَالِ الصَّغِيرِ تَكُونُ لِلذُّكُورِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ; لِأَنَّ الْوِلَايَةَ ثَبَتَتْ بِالشَّرْعِ , فَلَمْ تَثْبُتْ لِلْأُنْثَى , لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ إلَيْهَا , فَتَصِيرَ وَصِيَّةً بِالْإِيصَاءِ . وَفِي رَأْيِ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ , وَهُوَ خِلَافُ الْأَصَحِّ عِنْدَهُمْ , وَقَوْلُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى , وَابْنِ تَيْمِيَّةَ مِنْ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْأُمَّ تَكُونُ لَهَا الْوِلَايَةُ بَعْدَ الْأَبِ وَالْجَدِّ ; لِأَنَّهَا أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ , وَأَكْثَرُ شَفَقَةً عَلَى الِابْنِ . وَلَا وِلَايَةَ لِلْأُنْثَى كَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ