8 -يجب في يوم النّحر رمي جمرة العقبة وحدها فقط ، يرميها بسبع حصياتٍ . وأوّل وقت الرّمي ليوم النّحر يبدأ من طلوع فجر يوم النّحر عند الحنفيّة والمالكيّة وفي روايةٍ عن أحمد . وهذا الوقت عندهم أقسام: ما بعد طلوع الفجر من يوم النّحر إلى طلوع الشّمس وقت الجواز مع الإساءة ، وما بعد طلوع الشّمس إلى الزّوال وقت مسنون ، وما بعد الزّوال إلى الغروب وقت الجواز بلا إساءةٍ ، واللّيل وقت الجواز مع الإساءة عند الحنفيّة فقط ولا جزاء فيه . أمّا عند المالكيّة فينتهي الوقت بغروب الشّمس ، وما بعده قضاء يلزم فيه الدّم . وتحديد الوقت المسنون مأخوذ من فعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم فإنّه رمى في ذلك الوقت . وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ أوّل وقت جواز الرّمي يوم النّحر إذا انتصفت ليلة يوم النّحر لمن وقف بعرفة قبله . وهذا الوقت ثلاثة أقسامٍ: وقت فضيلةٍ إلى الزّوال ، ووقت اختيارٍ إلى الغروب ، ووقت جوازٍ إلى آخر أيّام التّشريق . استدلّ الحنفيّة بحديث ابن عبّاسٍ { أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعثه في الثّقل وقال: لا ترموا الجمرة حتّى تصبحوا } . فأثبتوا جواز الرّمي ابتداءً من الفجر بهذا الحديث . وعن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: { كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقدّم ضعفاء أهله بغلسٍ ، ويأمرهم يعني لا يرمون الجمرة حتّى تطلع الشّمس } . فأثبتوا بهذا الحديث الوقت المسنون . واستدلّ الشّافعيّة والحنابلة بحديث عائشة رضي الله عنها { أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أرسل بأمّ سلمة ليلة النّحر ، فرمت قبل الفجر ، ثمّ مضت فأفاضت } . وجه الاستدلال أنّه علّق الرّمي بما قبل الفجر ، وهو تعبير صالح لجميع اللّيل ، فجعل النّصف ضابطًا له ; لأنّه أقرب إلى الحقيقة ممّا قبل النّصف . أمّا آخر وقت الرّمي يوم النّحر فهو عند الحنفيّة إلى فجر اليوم التّالي ، فإذا أخّره عنه بلا عذرٍ لزمه القضاء في اليوم التّالي ، وعليه دم للتّأخير ، ويمتدّ وقت القضاء إلى آخر أيّام التّشريق . وعند المالكيّة: آخر وقت الرّمي إلى المغرب ، وما بعده قضاء ، ويجب الدّم إن أخّره إلى المغرب على المشهور عندهم . وآخر وقت الرّمي أداءً عند الشّافعيّة والحنابلة يمتدّ إلى آخر أيّام التّشريق ; لأنّها كلّها أيّام رميٍ . واستدلّ أبو حنيفة بحديث ابن عبّاسٍ: { أنّه صلى الله عليه وسلم سأله رجل قال: رميت بعدما أمسيت ؟ فقال: لا حرج } . وحديث ابن عبّاسٍ أيضًا { أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رخّص للرّعاة أن يرموا ليلًا } . وهو يدلّ على أنّ وقت الرّمي في اللّيل جائز ، وفائدة الرّخصة زوال الإساءة عنهم تيسيرًا عليهم ، ولو كان الرّمي واجبًا قبل المغرب لألزمهم به ; لأنّهم يستطيعون إنابة بعضهم على الرّعي .
ب - الرّمي في اليوم الأوّل والثّاني من أيّام التّشريق:
9 -وهما اليومان الثّاني والثّالث من أيّام النّحر: يجب في هذين اليومين رمي الجمار الثّلاث على التّرتيب: يرمي أوّلًا الجمرة الصّغرى الّتي تلي مسجد الخيف ، ثمّ الوسطى ، ثمّ يرمي جمرة العقبة ، يرمي كلّ جمرةٍ بسبع حصياتٍ .
1 -يبدأ وقت الرّمي في اليوم الأوّل والثّاني من أيّام التّشريق بعد الزّوال ، ولا يجوز الرّمي فيهما قبل الزّوال عند جمهور العلماء ، ومنهم الأئمّة الأربعة على الرّواية المشهورة الظّاهرة عن أبي حنيفة . وروي عن أبي حنيفة أنّ الأفضل أن يرمي في اليوم الثّاني والثّالث - أي من أيّام النّحر - بعد الزّوال فإن رمى قبله جاز ، وهو قول بعض الحنابلة . وروى الحسن عن أبي حنيفة: إن كان من قصده أن يتعجّل في النّفر الأوّل فلا بأس بأن يرمي في اليوم الثّالث قبل الزّوال ، وإن رمى بعده فهو أفضل ، وإن لم يكن ذلك من قصده لا يجوز أن يرمي إلاّ بعد الزّوال ، وذلك لدفع الحرج ; لأنّه إذا نفر بعد الزّوال لا يصل إلى مكّة إلاّ باللّيل فيحرج في تحصيل موضع النّزول . وهذا رواية أيضًا عن أحمد ، لكنّه قال: ينفر بعد الزّوال . استدلّ الجمهور بفعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم كما ثبت عنه . فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: { كنّا نتحيّن ، فإذا زالت الشّمس رمينا } . وعن جابرٍ قال: { رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة يوم النّحر ضحًى ، وأمّا بعد ذلك فإذا زالت الشّمس } . وهذا باب لا يعرف بالقياس ، بل بالتّوقيت من الشّارع ، فلا يجوز العدول عنه . واستدلّ للرّواية بجواز الرّمي قبل الزّوال بقياس أيّام التّشريق على يوم النّحر ; لأنّ الكلّ أيّام نحرٍ ، ويكون فعله صلى الله عليه وسلم محمولًا على السّنّيّة . واستدلّ لجواز الرّمي ثاني أيّام التّشريق قبل الزّوال لمن كان من قصده النّفر إلى مكّة بما ذكروا أنّه لرفع الحرج عنه ; لأنّه لا يصل إلاّ باللّيل ، وقد قوّى بعض المتأخّرين من الحنفيّة هذه الرّواية توفيقًا بين الرّوايات عن أبي حنيفة . والأخذ بهذا مناسب لمن خشي الزّحام ودعته إليه الحاجة ، لا سيّما في زمننا .