16 -أمّا صيغة التّكبير فقد جاءت في الحديث مطلقةً"يكبّر مع كلّ حصاةٍ » . فيجوز بأيّ صيغةٍ من صيغ التّكبير . واختار العلماء نحو هذه الصّيغة: { بسم اللّه واللّه أكبر ، رغمًا للشّيطان ورضًا للرّحمن ، اللّهمّ اجعله حجًّا مبرورًا وسعيًا مشكورًا ، وذنبًا مغفورًا } والمستند في ذلك ما ورد من الآثار الكثيرة عن الصّحابة . ولو رمى وترك الذّكر فلم يكبّر ولم يأت بأيّ ذكرٍ جاز ، وقد أساء لتركه السّنّة . ويقطع التّلبية مع أوّل حصاةٍ يرميها ويشتغل بالتّكبير . وينصرف من الرّمي وهو يقول: { اللّهمّ اجعله حجًّا مبرورًا ، وسعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا } . ووقت الرّمي في هذه الأيّام بعد الزّوال ، ويندب تقديم الرّمي قبل صلاة الظّهر في المذاهب الثّلاثة ، وعند الحنفيّة يقدّم صلاة الظّهر على الرّمي . 17 - وقد بحثوا في أفضليّة الرّكوب أو المشي في رمي الجمار ، واختلفوا في ذلك وكانوا يركبون الدّوابّ فكان الرّمي للرّاكب ممكنًا . فذهب أبو يوسف وهو المختار عند الحنفيّة إلى أنّه يرمي جمرة العقبة راكبًا وغيرها ماشيًا في جميع أيّام الرّمي ، وقال أبو حنيفة ومحمّد: الرّمي كلّه راكبًا أفضل . وعند المالكيّة يرمي جمرة العقبة يوم النّحر كيفما كان وغيرها ماشيًا . وقال الشّافعيّ: يرمي جمرة العقبة يوم النّحر راكبًا ، وكذلك يرميها يوم النّفر راكبًا ، ويمشي في اليومين الآخرين أحبّ إليّ"، واختار صاحب الفتاوى الظّهيريّة الحنفيّ استحباب المشي إلى الجمار مطلقًا ، وهو الأكثر عند الحنابلة . عن { ابن عمر رضي الله عنهما أنّه كان يأتي الجمار في الأيّام الثّلاثة بعد يوم النّحر ماشيًا ذاهبًا وراجعًا ، ويخبر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك } . ثمّ إذا فرغ من الرّمي ثاني أيّام العيد وهو أوّل أيّام التّشريق رجع إلى منزله في منًى ، ويبيت تلك اللّيلة فيها ، فإذا كان من الغد وهو ثاني عشر ذي الحجّة ، وثالث أيّام النّحر ، وثاني أيّام التّشريق رمى الجمار الثّلاثة بعد الزّوال على كيفيّة رمي اليوم السّابق . ثمّ إذا رمى في هذا اليوم فله أن ينفر أي يرحل ، بلا كراهةٍ لقوله تعالى: { فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه } . ويسقط عنه رمي اليوم الرّابع ، لذلك يسمّى هذا اليوم يوم النّفر الأوّل .
18 -وإن لم ينفر لزمه رمي اليوم الرّابع ، وهو الثّالث عشر من ذي الحجّة ، ثالث أيّام التّشريق ، يرمي فيه الجمرات الثّلاث على الكيفيّة السّابقة في ثاني يومٍ أيضًا ، لكن عند أبي حنيفة يصحّ الرّمي في هذا اليوم من الفجر مع الكراهة لمخالفته السّنّة ، وينتهي وقت الرّمي في هذا اليوم بغروب الشّمس أداءً وقضاءً ، فإن لم يرم حتّى غربت شمس اليوم فات الرّمي وتعيّن الدّم فداءً عن الواجب الّذي تركه ، ويرحل بعد الرّمي ، ولا يسنّ المكث في منًى بعده ، ويسمّى هذا النّفر الثّاني ، وهذا اليوم يوم النّفر الثّاني . والأفضل أن يتأخّر بمنًى ويرمي اليوم الرّابع ، لقوله تعالى: { ومن تأخّر فلا إثم عليه لمن اتّقى } واتّباعًا للنّبيّ صلى الله عليه وسلم تكميلًا للعبادة . أمّا ما ورد من ركوب النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الرّمي فأجيب عنه بأنّه"محمول على رميٍ لا رمي بعده ، أو على التّعليم ليراه النّاس فيتعلّموا منه مناسك الحجّ"والجواب الثّاني أولى وأقوى ، يدلّ عليه قوله في اليوم الأوّل وهو راكب: { لتأخذوا عنّي مناسككم } .
آثار الرّمي: يترتّب على رمي الجمار أحكام هامة في الحجّ ، سوى براءة الذّمّة من وجوبه ، وهذه الآثار هي:
أ - أثر رمي جمرة العقبة:
19 -يترتّب على رمي جمرة العقبة يوم النّحر التّحلّل الأوّل من إحرام الحجّ عند المالكيّة ، وهو قول عند الحنابلة ، خلافًا للحنفيّة الّذين قالوا: إنّ التّحلّل الأوّل يكون بالحلق ، وعلى تفصيلٍ عند الشّافعيّة والحنابلة ( ر: مصطلح إحرام ف 122 - 125 ) .
ب - أثر رمي الجمار يومي التّشريق: النّفر الأوّل:
20 -إذا رمى الحاجّ الجمار أوّل وثاني أيّام التّشريق يجوز له أن ينفر ، أي يرحل إن أحبّ التّعجّل في الانصراف من منًى ، هذا هو النّفر الأوّل ، وبهذا النّفر يسقط رمي اليوم الأخير ، وهو قول عامّة العلماء ، لقوله تعالى: { فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخّر فلا إثم عليه لمن اتّقى } . وفي حديث عبد الرّحمن بن يعمر الدّيليّ الصّحيح: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: { أيّام منًى ثلاثة: فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخّر فلا إثم عليه } .
ج - أثر الرّمي ثالث أيّام التّشريق: النّفر الثّاني:
21 -إذا رمى الحاجّ الجمار في اليوم الثّالث من أيّام التّشريق انصرف من منًى إلى مكّة ، ولا يقيم بمنًى بعد رميه هذا اليوم ، ويسمّى هذا النّفر النّفر الثّاني ، واليوم يوم النّفر الثّاني ، وهو آخر أيّام التّشريق ، وبه ينتهي وقت رمي الجمار ، ويفوت على من لا يتداركه قبل غروب شمس هذا اليوم ، وبه تنتهي مناسك منًى .
حكم ترك الرّمي:
22 -يلزم من ترك الرّمي بغير عذرٍ الإثم ووجوب الدّم ، وإن تركه بعذرٍ لا يأثم ، لكن لا يسقط الدّم عنه ، ولو ترك حصاةً واحدةً عند المالكيّة ، ويجزئه شاة عن ترك الرّمي كلّه ، أو عن ترك رمي يومٍ . وتسامح الشّافعيّة والحنابلة في حصاةٍ وحصاتين فجعلوا في ذلك صدقةً ، وأنزل الحنفيّة الأكثر منزلة الكلّ مع وجوب جزاءٍ عن النّاقص . ( انظر تفصيل أحوال ترك الرّمي في مصطلح: حجّ ف ) .
النّيابة في الرّمي:
23 -وهي رخصة خاصّة بالمعذور ، تفصيل حكمها فيما يلي: