فهرس الكتاب

الصفحة 1103 من 2053

( أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ , وَفِي الثَّانِي عِنْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ , ثُمَّ قَالَ: مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتُ الْمَغْرِبِ ) وَهَذَا نَصٌّ فِي مُسَاوَاتِهَا فِي الْوَقْتِ بِغَيْرِهَا , فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ تَعْلِيمَ وَقْتِ الضَّرُورَةِ , فَقِيلَ لَهُ: لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا قَصَدَ تَعْلِيمَ أَوَائِلِ أَوْقَاتِ الِاخْتِيَارِ وَآخِرِهَا , لَكِنْ نَصَّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَى مُوَافَقَةِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ , فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ احْتَجُّوا عَلَى أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ أَطْوَلُ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ: نَحْنُ أَكْثَرُ أَعْمَالًا وَأَقَلُّ أَجْرًا . قَالُوا: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ الْوَقْتِ , فَقَالَ لَهُمْ: لَمْ يُقْصَدْ بِالْخَبَرِ ذَلِكَ , لِأَنَّ كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّتَهُ لَا تَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ , فَمُنِعَ التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ فِي غَيْرِ مَقْصُودِهِ . وَكَذَا يُمْنَعُ تَمَسُّكُ الْحَنَفِيَّةِ بِحَدِيثِ: { فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ } عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْخَضْرَاوَاتِ . وَقَالَ: إنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا سِيقَ لِبَيَانِ الْجُزْءِ الْوَاجِبِ , لَا لِبَيَانِ الْوَاجِبِ فِيهِ , لَكِنْ الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ . وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ بِهِ الشَّافِعِيُّ هُنَا لِمُعَارِضٍ آخَرَ , لَا لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَسُوقًا لِغَيْرِهِ . هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ عُمُومٌ آخَرُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْمَدْحُ أَوْ الذَّمُّ , فَإِنْ عَارَضَهُ فَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَتَرَجَّحُ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لِذَلِكَ , فَيَجْرِي عَلَى عُمُومِهِ , وَيُقْصَرُ مَا سِيقَ لِلْمَدْحِ أَوْ الذَّمِّ عَلَيْهِمَا . هَكَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ فِي كِتَابِ"التَّحْصِيلِ"وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ , وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ لَكِنْ حَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ السُّهَيْلِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجْهًا أَنَّهُ يُوقَفُ هَذَانِ الْعَامَّانِ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ الْحَالُ كَالْمُتَعَارَضِينَ , وَهُوَ الْقِيَاسُ . وَمِثَالُ الْمَسْأَلَةِ قوله تعالى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ } فَإِنَّهَا سِيقَتْ لِبَيَانِ أَعْيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ دُونَ الْعَدَدِ مَعَ قوله تعالى: { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ } فَإِنَّهُ سِيقَ لِلْعَدَدِ , وَهُوَ يَعُمُّ الْأُخْتَ وَغَيْرَهَا , فَيُقْضَى بِتِلْكَ لِأَنَّهَا مَسُوقَةٌ لِبَيَانِ الْمُحَرَّمِ , وَكَذَا يُقْضَى بِهَا عَلَى { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } وَكَذَا قَوْلُهُ: { وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ } مَعَ قَوْلِهِ: { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } فَالْأُولَى سِيقَتْ لِبَيَانِ الْحُكْمِ , فَقُدِّمَ عَلَى مَا سِيَاقُهَا لِلْمَدْحِ , وَكَذَا قَوْلُهُ: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ } إذَا قَدَّرْنَا دُخُولَ الشَّعْرِ فِيهَا قُدِّمَ عَلَى قَوْلِهِ: { وَمِنْ أَصْوَافِهَا } . وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِمَا سِيقَ لِلْمَدْحِ أَوْ الذَّمِّ , بَلْ هِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَا سِيقَ لِغَرَضٍ , كَمَا سَبَقَ مِنْ نَحْوِ ( فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ ) وَغَيْرِهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت