فهرس الكتاب

الصفحة 1104 من 2053

فَصْلٌ فِي شُرُوطِ التَّأْوِيلِ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِوَضْعِ اللُّغَةِ أَوْ عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ أَوْ عَادَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ . وَكُلُّ تَأْوِيلٍ خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَبَاطِلٌ . وَقَدْ فَتَحَ الشَّافِعِيُّ الْبَابَ فِي التَّأْوِيلِ فَقَالَ: الْكَلَامُ قَدْ يُحْمَلُ فِي غَيْرِ مَقْصُودِهِ . وَيُفْصَلُ فِي مَقْصُودِهِ . وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْآرَاءُ فِي التَّأْوِيلِ , وَمَدَارُهُمْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ , فَيُضَعَّفُ التَّأْوِيلُ لِقُوَّةِ ظُهُورِ اللَّفْظِ , أَوْ لِضَعْفِ دَلِيلِهِ أَوْ لَهُمَا . وَمِنْ الثَّانِي مَنْعُ عُمُومِ قَوْلِهِ: { فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ , وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ نِصْفُهُ } حَتَّى لَا يَتَمَسَّكَ بِهِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْخَضْرَاوَاتِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْفَصْلُ بَيْنَ وَاجِبِ الْعُشْرِ وَنِصْفِهِ , وَكَاسْتِدْلَالِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا } وَالْحَنَفِيَّةُ قَالُوا هَذَا مُفَصَّلٌ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ , مُجْمَلٌ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا , وَفِي زَكَاةِ الْحُلِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ } وَالْحَنَفِيَّةُ قَالُوا: هَذَا مُفَصَّلٌ فِي تَحْرِيمِ الْكَنْزِ , مُجْمَلٌ فِي غَيْرِهِ . وَمِنْ الْأَوَّلِ حَمَلَ بَعْضُهُمْ الِاسْتِجْمَارَ فِي قَوْلِهِ: { مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ } عَلَى اسْتِعْمَالِهِ الْبَخُورَ لِلتَّطَيُّبِ . فَإِنَّهُ يُقَالُ فِيهِ: تَجَمَّرَ وَاسْتَجْمَرَ , وَاللَّفْظُ قَوِيٌّ ظَاهِرٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ , وَعَلَيْهِ فَهْمُ النَّاسِ . وَمِنْهُ حَمَلَ بَعْضُهُمْ الْجُلُوسَ فِي قَوْلِهِ: { نَهَى عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ } عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ عَلَيْهِ , وَاللَّفْظُ ظَاهِرٌ فِي الْمُرَادِفِ لِلْقُعُودِ . وَمِنْهُ حَمْلُ الظَّاهِرِيَّةِ حَدِيثَ: { لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ } عَلَى بَيْضَةِ الْحَدِيدِ , وَهُوَ بَعِيدٌ , لِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي خِلَافَهُ . وَمِنْهُ حَمَلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ: { أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ } أَيْ دَخَلَا بِذَلِكَ فِي فِطْرَتِي وَسُنَّتِي , لِأَنَّ الْحِجَامَةَ مِمَّا أَمَرَ بِهِ صلى الله عليه وسلم وَاسْتَعْمَلَهُ , حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ تِلْمِيذُ الْبَغَوِيّ , عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِ نَيْسَابُورَ . وَقَسَّمَ شَارِحُ"اللُّمَعِ"تَأْوِيلَ الظَّاهِرِ إلَى ثَلَاثِهِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: تَأْوِيلُهُ عَلَى مَعْنًى يُسْتَعْمَلُ فِي ذَلِكَ كَثِيرًا , فَهَذَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ , وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ , كَحَمْلِ الْأَمْرِ فِي قوله تعالى: { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ } عَلَى الْوُجُوبِ , وَحَمْلُهُ عَلَى النَّدْبِ بِدَلِيلٍ جَائِزٍ . لِاسْتِعْمَالِ الْأَمْرِ مُرَادًا بِهِ النَّدْبُ كَثِيرًا , فَيُحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّدْبُ . وَالثَّانِي: تَأْوِيلُهُ عَلَى مَعْنًى لَا يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا , فَهَذَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بَيَانُ قَبُولِ اللَّفْظِ لِهَذَا التَّأْوِيلِ فِي اللُّغَةِ . وَالثَّانِي: إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ هُنَا يَقْتَضِيهِ . وَالثَّالِثُ: حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنًى لَا يُسْتَعْمَلُ أَصْلًا , فَلَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ التَّأْوِيلِ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِ . . . كَقَوْلِهِ: { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الطَّلَاقَ فِي حَالِ وَقْتِ الْعِدَّةِ , وَهُوَ زَمَانُ الطُّهْرِ , فَلَوْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ . قَالَ: وَهَلْ يَجُوزُ التَّأْوِيلُ بِالْقِيَاسِ ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ , ذَكَرَهَا فِي الْإِرْشَادِ: أَحَدُهَا: الْمَنْعُ . وَالثَّانِي , وَهُوَ الصَّحِيحُ: الْجَوَازُ , لِأَنَّ مَا جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ جَازَ التَّأْوِيلُ بِهِ , كَأَخْبَارِ الْآحَادِ . وَالثَّالِثُ: بِالْجَلِيِّ دُونَ الْخَفِيِّ , وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْأُصُولِيِّينَ بِذِكْرِ ضُرُوبٍ مِنْ التَّأْوِيلَاتِ هَاهُنَا كَالرِّيَاضَةِ لِلْأَفْهَامِ لِيَتَمَيَّزَ الصَّحِيحُ مِنْهَا عَنْ الْفَاسِدِ , حَتَّى يُقَاسَ عَلَيْهَا وَيَتَمَرَّنَ النَّاظِرُ فِيهَا . وَقَدْ أَوَّلَ الْحَنَفِيَّةُ أَشْيَاءَ بَعِيدَةً حَكَمَ أَصْحَابُنَا بِبُطْلَانِهَا: فَمِنْهَا: تَأْوِيلُهُمْ { قَوْلُهُ عليه السلام لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ: أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ } بِثَلَاثِ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: أَيْ: ابْتَدِئْ الْعَقْدَ , إطْلَاقًا لِاسْمِ الْمُسَبَّبِ . عَلَى السَّبَبِ . ثَانِيهَا: أَمْسِكْ الْأَوَّلَ . وَلَعَلَّ النِّكَاحَ وَقَعَ بَعْدُ عَلَى التَّفْرِيقِ . ثَالِثُهَا: لَعَلَّهُ كَانَ قَبْلَ حَصْرِ النِّسَاءِ , وَقَبْلَ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ , فَيَكُونُ الْعَقْدُ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ . أَمَّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت