34 -أ - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّه يصحّ الإحرام بالحجّ قبل أشهر الحجّ ، وينعقد حجًّا ، لكن مع الكراهة . وهو قول إبراهيم النّخعيّ ، وسفيان الثّوريّ ، وإسحاق بن راهويه ، واللّيث بن سعد . وذهب الشّافعيّة إلى أنّه لا ينعقد الإحرام بالحجّ قبل أشهره ، فلو أحرم به قبل هلال شوّال لم ينعقد حجًّا ، وانعقد عمرةً على الصّحيح عندهم . وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد وأبو ثور .
35 -والأصل في المسألة قوله تعالى: { الحجّ أشهر معلومات } وقد تنازع الفريقان الاستدلال بها ، وأيّد كلّ فريق وجهته بدلائل أخرى . وهو خلاف وقع بين أهل العربيّة أيضًا . استدلّ الثّلاثة بأنّ معنى الآية: الحجّ ( حجّ ) أشهر معلومات ، فعلى هذا التّقدير يكون الإحرام بالحجّ فيها أكمل من الإحرام به فيما عداها ، وإن كان ذاك صحيحًا ؛ ولأنّه أحد نسكي القران ، فجاز الإحرام به في جميع السّنة كالعمرة ، أو: أحد الميقاتين ، فصحّ الإحرام قبله ، كميقات المكان . ووجّه الحنفيّة المسألة بناءً على مذهبهم بأنّه شرط عندهم ، فأشبه الطّهارة في جواز التّقديم على الوقت ، وثبتت الكراهة لشبهه بالرّكن . واستدلّ الشّافعيّة بقوله تعالى: { الحجّ أشهر معلومات } . ووجه الاستدلال أنّ ظاهره التّقدير الآخر الّذي ذهب إليه النّحاة ، وهو ( وقت الحجّ أشهر معلومات ) فخصّصه بها من بين سائر شهور السّنة ، فدلّ على أنّه لا يصحّ قبلها ، كميقات الصّلاة . واستدلّوا من المعقول: بأنّ الإحرام نسك من مناسك الحجّ ، فكان مؤقّتًا ، كالوقوف والطّواف .
36 -اتّفقوا بعد هذا على أنّه لو فعل أيّ شيء من أفعال الحجّ قبل أشهر الحجّ لم يجزه ، حتّى لو صام المتمتّع أو القارن ثلاثة أيّام قبل أشهر الحجّ لا يجوز ، وكذا السّعي بين الصّفا والمروة عقب طواف القدوم لا يقع عن سعي الحجّ إلاّ فيها .
ثانيًا: الميقات الزّمانيّ للإحرام بالعمرة:
37 -اتّفقوا على أنّ ميقات العمرة الزّمانيّ هو جميع العام ، فيصحّ أن تفعل في جميع السّنة ، وينعقد إحرامها ، وذلك لعدم المخصّص لها بوقت دون وقت . وكذلك قرّروا أنّها أفضل في شهر رمضان منها في غيره . وعبّر الحنفيّة بقولهم: « تندب في رمضان"، لقوله صلى الله عليه وسلم: « عمرة في رمضان تقضي حجّةً » . متّفق عليه ."
38 -ثمّ اختلفوا في أوقات يكره فيها الإحرام بالعمرة أو لا يكره . وهي: أ - يوم عرفة ويوم النّحر وأيّام التّشريق: ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى عدم الكراهة فيها ، لكن قال الرّمليّ الشّافعيّ: « وهي في يوم عرفة والعيد وأيّام التّشريق ليست كفضلها في غيرها ؛ لأنّ الأفضل فعل الحجّ فيها » . واستدلّوا لعدم الكراهة بأنّ الأصل عدم الكراهة ، ولا دليل عليها . وذهب الحنفيّة إلى أنّ العمرة تكره تحريمًا يوم عرفة وأربعة أيّام بعده ، حتّى يجب الدّم على من فعلها في ذلك عندهم . واستدلّوا بقول عائشة رضي الله عنها: حلّت العمرة في السّنة كلّها إلاّ أربعة أيّام: يوم عرفة ، ويوم النّحر ويومان بعد ذلك أخرجه البيهقيّ » . ولأنّ هذه الأيّام أيّام شغل بأداء الحجّ ، والعمرة فيها تشغلهم عن ذلك ، وربّما يقع الخلل فيه فتكره » .
ب - استثنى المالكيّة المحرم بالحجّ من سعة الوقت للإحرام بالعمرة ، فقالوا: الحاجّ وقت إحرامه بالعمرة من وقت تحلّله من الحجّ ، وذلك"بالفراغ من جميع أفعاله من طواف وسعي ورمي اليوم الرّابع ، أو قدر رميه لمن تعجّل فنفر في ثالث أيّام النّحر ، فإنّ هذا ينتظر إلى أن يمضي - بعد الزّوال من اليوم الرّابع - ما يسع الرّمي حتّى يبدأ وقت الإحرام له للعمرة » . وبناءً على ذلك قرّر المالكيّة: إن أحرم بالعمرة قبل ذلك الّذي ذكرناه لم ينعقد إحرامه ، وأنّه يكره الإحرام بالعمرة بعد التّحلّل بالفراغ من جميع أفعال الحجّ وقبل غروب شمس اليوم الرّابع ."
الميقات المكانيّ
الميقات المكانيّ ينقسم قسمين:
ميقات مكانيّ للإحرام بالحجّ ، وميقات مكانيّ للإحرام بالعمرة .
أوّلًا: الميقات المكانيّ للإحرام بالحجّ:
39 -يختلف الميقات المكانيّ للإحرام بالحجّ باختلاف مواقع النّاس ، فإنّهما في حقّ المواقيت المكانيّة على أربعة أصناف ، وهي:
الصّنف الأوّل: الآفاقيّ .
الصّنف الثّاني: الميقاتيّ .
الصّنف الثّالث: الحرميّ .
الصّنف الرّابع: المكّيّ ، ويشترك مع الحرميّ في أكثر من وجه ، فيكونان مسألةً واحدةً . ثمّ صنف خامس: هو من تغيّر مكانه ، ما ميقاته ؟ .
ميقات الآفاقيّ: وهو من منزله خارج منطقة المواقيت .
40 -اتّفق العلماء على تقرير الأماكن الآتية مواقيت لأهل الآفاق المقابلة لها ، وهذه الأماكن هي: أ - ذو الحليفة: ميقات أهل المدينة ، ومن مرّ بها من غير أهلها . وتسمّى الآن"آبار عليّ"فيما اشتهر لدى العامّة .
ب - الجحفة: ميقات أهل الشّام ، ومن جاء من قبلها من مصر ، والمغرب . ويحرم الحجّاج من"رابغ"، وتقع قبل الجحفة ، إلى جهة البحر ، فالمحرم من"رابغ"محرم قبل الميقات . وقد قيل إنّ الإحرام منها أحوط لعدم التّيقّن بمكان الجحفة .
ج - قرن المنازل: ويقال له"قرن"أيضًا ، ميقات أهل نجد ، و"قرن"جبل مطلّ على عرفات . وهو أقرب المواقيت إلى مكّة ، وتسمّى الآن"السّيل » ."
د - يلملم: ميقات باقي أهل اليمن وتهامة ، والهند . وهو جبل من جبال تهامة ، جنوب مكّة .
هـ - ذات عرق: ميقات أهل العراق ، وسائر أهل المشرق . أدلّة تحديد مواقيت الآفاق: