فهرس الكتاب

الصفحة 1128 من 2053

وقال ابن حبان: إذا روى عن الثقات غير أبيه يجوز الاحتجاج به، وإذا روى عن أبيه عن جده، ففيه مناكير كثيرة، فلا يجوز عندي الاحتجاج بذلك.

وانتهى الذهبي في"الميزان"إلى أن حديثه من قبيل الحسن (ميزان الاعتدال: 3/263 - 268) .

وقال الحافظ في الفتح: ترجمة عمرو قوية على المختار، ولكنه حيث لا تعارض (أ هـ) وهنا قد عورضت بما صح عن عائشة وابن عمر وجابر وغيرهم من الصحابة من عدم إخراج زكاة الحلي، وقد عاصر عبد الله بن عمرو -جد شعيب أبى عمرو- هؤلاء الصحابة، فلم يلزمهم بما سمع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن المرأة وابنتها ولو فعل لرجعوا عن أقوالهم، ولنقل ذلك والله أعلم)، فإن يكن الأمر على ما روى، وكان عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- محفوظًا، فقد يحتمل معناه أن يكون أراد بالزكاة العارية، كما فسرته العلماء الذين ذكرناهم: سعيد بن المسيب والشعبي والحسن وقتادة في قولهم:"زكاته عاريته" (كان من عادة العرب إذا زفت عروس لا تستطيع أن تزين نفسها أو يزينها أهلها بالحلي المعتاد في العرس أن يعيرها أقاربها وجيرانها من حليهم ما تتزين به ليلة العرس، بل كن يستعرن الثياب الجميلة أيضًا كما جاء ذلك في حديث عن عائشة رضي الله عنها وفى عصرنا تؤجر بعض المحلات"فساتين"الزفاف وما يكملها من أدوات، للعرائس بأجور عالية، ليعدنها بعد العرس فحبذا لو نظمت بعض الجمعيات الخيرية النسائية إعارة الحلي ونحوه من الفساتين التي تهمل بعد الزفاف ولا تلبس- لمن يحتجن إليه، مع اتخاذ الضمانات اللازمة ويكون ذلك نوعًا من الزكاة) .

ولو كانت الزكاة في الحلي فرضًا، كفرض الرقة لما اقتصر النبي -صلى الله عليه وسلم- من ذلك على أن يقوله لامرأة يخصها به عند رؤية الحلي عليها دون الناس، ولكان هذا كسائر الصدقات الشائعة المنتشرة عنه في العالم من كتبه وسننه، ولفعلته الأئمة بعده، وقد كان الحلي من فعل الناس في آباد الدهر، فلم نسمع له ذكرًا في شيء من كتب صدقاتهم.

"وكذلك حديث عائشة في قولها:"لا بأس بلبس الحلي إذا أعطيت زكاته"لا وجه له عندي سوى العارية، لأن القاسم بن محمد بن أخيها -كان ينكر عليها أن تكون أمرت بذلك أحدًا من نسائها أو بنات أخيها ولم تصح زكاة الحلي عندنا عن أحد من الصحابة إلا عن ابن مسعود، فأما حديث عبد الله بن عمرو في تزكيته حلى بناته، ففي إسناده نحو مما في إسناد الحديث المرفوع."

"والقول الآخر هو عن عائشة وابن عمر وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك ثم من وافقهم من التابعين بعد ومع هذا كله ما تأولنا فيه سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- المصدقة لمذهبهم عند التدبر والنظر"أ هـ (الأموال ص 446) .

وبعد هذا الكلام النير عن أبى عبيد: أحب أن أسجل هنا بعض الملاحظات على أدلة القائلين بتزكية الحلي.

تفنيد أدلة الموجبين لزكاة الحلي

1-أما ما يستدل به الموجبون من قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) (التوبة: 34) الآية، وقولهم: إن الحلي من الكنوز، فيرده: أن إطلاق الكنز على الحلي المتخذ للاستمتاع بعيد (كما قال الدهلوي في الحجة البالغة: 2/509) إنما تريد الآية: الذهب والفضة التي من شأنها أن تنفق بدليل: (ولا ينفقونها) وذلك إنما يكون في النقود لا في الحلي الذي هو زينة ومتاع؛ إذ لم يوجب أحد إنفاق الحلي المباح إلا في ضرورات تقدر بقدرها.

وأما الأحاديث التي استند إليها الموجبون لزكاة الحلي، فللمانعين مواقف منها، من حيث ثبوتها، أو من حيث دلالتها.

فأما الحديث الأول فمتفق على صحته:"وفى الرقة ربع العشر"ولكن الرقة -كما سبق- إنما هي الدراهم المضروبة، ولا تطلق على الحلي المصوغ.

2-وأما الأحاديث الأخرى، فمنهم من ردها من حيث السند، كالترمذي الذي قال:"لا يصح في هذا الباب شيء" (صحيح الترمذي بشرح ابن العربى: 3/131، باب"ما جاء في زكاة الحلي") .

وحتى ابن حزم، فمع أنه يقول بوجوب الزكاة في الحلي، لم يعتمد على هذه الأحاديث، بل أنكر على من احتج بها، قال: واحتج من رأى إيجاب الزكاة في الحلي بآثار واهية لا وجه للانشغال بها (المحلى: 6/78) ، وإنما اعتمد ابن حزم على العمومات الواردة في زكاة الفضة والذهب.

فلنقف وقفة للنظر في أسانيد هذه الأحاديث.

أما حديث عمرو بن شعيب فقد رأينا: أن النسائي رواه مسندًا ومرسلًا، ورجح المرسل، وأن المنذري أشار في الترغيب إليه بعلامة الضعف، وقد سمعنا قول أبى عبيد فيه، وعلقنا عليه بما يكفي.

وأما حديث الفتخات المروى عن عائشة ففي إسناده يحيى بن أيوب الغافقي (ت 168 هـ) احتج به الشيخان وغيرهما، وهو صدوق، ولكن قال الذهبي: قال فيه ابن معين: صالح الحديث، وقال أحمد: سيئ الحفظ وقال ابن القطان وأبو حاتم: لا يحتج به، وقال النسائي: ليس بالقوى وقال الدارقطني: في بعض حديثه اضطراب وذكر له عدة مناكير (انظر: الميزان للذهبي: 3/282، الترجمة(2438) - طبع مطبعة المساعدة - سنة 1325 هـ).

ومن كان بهذه المنزلة عند أئمة الجرح والتعديل، فلا يحتج بحديثه في موضوعات الخلاف وبخاصة أن عائشة قد صح عنها العمل بخلاف هذا الحديث كما سيأتي.

وأما حديث أم سلمة، فقد رأينا قول المنذري: فيه عتاب بن بشير، وقد أخرج له البخاري، وتكلم فيه غير واحد.

وقال الذهبي في"الميزان"في ترجمته

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت