"قال أحمد: أرجو ألا يكون به بأس، أتى عن خصيف بمناكير، أراها من قبل خصيف وقال النسائي: ليس بذاك في الحديث وقال ابن المدني: كان أصحابنا يضعفونه وقال ابن معين: ثقة وقال مرة: ضعيف وقال على: ضربنا على حديثه وقال ابن عدى: أرجو أنه لا بأس به (ميزان الاعتدال: 3/27) ومعنى هذا: أن أحدًا من هؤلاء الأئمة لم يجزم بتوثيقه وفيهم من جزم بضعفه."
ولا يهولن القارئ أن البخاري أخرج له، فقد ذكر الحافظ ابن حجر: أنه ليس له في البخاري إلا حديثان: أحدهما تابع عليه، والثاني ذكره مقرونًا بغيره (هدى الساري"مقدمة الفتح": 2/189 - 190) .
وقال الحافظ الزيلعى في"نصب الراية":"صاحبا الصحيح إذا أخرجا لمن تكلم فيه فإنما ينتقيان من حديث ما تابع عليه، وظهرت شواهده وعلم أن له أصلًا، ولا يرويان ما تفرد به، سيما إذا خالفه الثقات" (نصب الراية: 1/342) .
هذا وقد تفرد بهذا الحديث -عن عتاب بن بشير- ثابت بن عجلان، كما قال البيهقي (المرجع نفسه: 2/372) .
وثابت -وإن أخرج له البخاري- تكلم فيه أيضًا: فابن معين وثقة، وقال أحمد بن حنبل: أنا متوقف فيه، وقال أبو حاتم: صالح وذكره"ابن عدى"وساق له ثلاثة أحاديث غريبة وذكره"العقيلي"في كتاب"الضعفاء"وقال: لا يتابع على حديثه قال: فمما أنكر عليه حديث عتاب بن بشير عن عطاء عن أم سلمة وساق الحديث الذي معنا وقال الحافظ عبد الحق: ثابت لا يحتج به، فناقشه على قوله أبو الحسن بن القطان وقال: قول العقيلي أيضًا فيه تحامل عليه وقال: إنما يمر بهذا من لا يعرف بالثقة مطلقًا أما من عرف بها فانفراده لا يضر، إلا أن يكثر ذلك منه قال الذهبي معقبًا على ابن القطان: أما من عرف بالثقة فنعم وأما من وثق، ومثل أحمد الإمام يتوقف فيه، ومثل أبى حاتم يقول: صالح الحديث ("صالح الحديث"من ألفاظ المرتبة الدنيا من مراتب التعديل، عدها بعضهم الرابعة، وبعضهم السادسة، وهو ما أشعر بالقرب من التجريح، كما قال السخاوي في شرح"الألفية"والسندس في شرح النخبة انظر: الرفع والتكميل ص 109، 116، 124) : فلا نرقيه إلى رتبة الثقة، فتفرد هذا يعد منكرًا، فرجح قول العقيلي وعبد الحق" (الميزان: 1/364 - 365) ."
أما البخاري فإنما أخرج لثابت حديثًا واحدًا في الذبائح، وله أصل عنده في الطهارة، كما قال الحافظ (هدى الساري: 2/155، 209) وهذا -كما عرفنا من طريقة الشيخين- ليس بالتوثيق المطلق، كما ذكر الزيلعى ولهذا لم يرو أحد الشيخين هذا الحديث ولا أي حديث في تزكية الحلي.
وإذا كان حديث أم سلمة يدور على ثابت بن عجلان وعتاب بن بشير، وكانا هما بما ذكرنا من المنزلة عند أئمة النقد؛ ما بين موثق ومضعف ومتوقف، فمثلهما لا يحتج به في مسائل الخلاف، التي تتعارض فيها الدلائل، وتتعاون كفتا الميزان، فضلًا عن المسائل التي تعارضها شواهد معتبرة كما في إيجاب تزكية الحلي.
وقد قال ابن حجر في مقدمة"تهذيب التهذيب" (الجزء الأول ص 5) : وفائدة يراد كل ما قيل في الرجل من حرج وتوثيق، تظهر عند المعارضة (انتهى) كما في مسألتنا.
ومما يشكك في صحة هذه الأحاديث في نظري: أنها لم تشتهر بين الصحابة، رغم اختلافهم في هذا الأمر الذي يكاد يمس كل أسرة، وتشتد حاجتهم إلى معرفة الحكم فيه، ولو عرفت هذه الأحاديث بين الصحابة لحسمت النزاع، وارتفع الخلاف، ولكنه لم يرتفع.
فإما أن تكون الأحاديث منسوخة أو غير صحيحة، وإلا فيستبعد أن يختلف الصحابة في هذا الأمر، ولا يرد بعضهم على بعض بما سمع من الرسول -صلى الله عليه وسلم-، كما هو شأنهم في مسائل الخلاف الأخرى.
وقد جاء عن عائشة من أصح طريق -كما قال ابن حزم- أنها خالفت ما روى عنها آنفًا (قال الحافظ في التلخيص - بعد حديث الفتخات:"يمكن الجمع بينهما بأنها كانت ترى الزكاة فيها، ولا ترى إخراج الزكاة مطلقًا من مال الأيتام"أ هـ. وهو تأويل بعيد عن المتبادر من الحديث) ، فكيف يمكن هذا؟
ولذا قال البيهقي وأقره النووي والمنذري (المجموع: 6/35، ومختصر السنن: 2/176) : إن رواية القاسم وابن أبى مليكة عن عائشة في تركها إخراج زكاة الحلي عن بنات أخيها -مع ما ثبت من مذهبها من إخراج زكاة أموال اليتامى- توقع ريبة في هذه الرواية المرفوعة، فهي لا تخالف النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيما روته عنه، إلا فيما علمته منسوخًا (قال الكمال ابن الهمام في فتح القدير(1/526) - بعد أن ذكر الأحاديث والآثار المؤيدة لمذهب الحنفية في القول بزكاة الحلي: واعلم أن مما يعكر على ما ذكرنا: ما في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه: أن عائشة -رضى الله عنها- كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها، فلا تخرج من حليهن الزكاة"وعائشة راوية حديث"الفتخات"وعمل الراوي بخلاف ما روى، عندنا بمنزلته للناسخ، فيكون ذلك منسوخًا ويجاب عنه بأن الحكم بأن ذلك نسخ عندنا هو إذا لم يعارض مقتضى النسخ معارض يقتضي عدمه، وهو ثابت هنا، فإن كتابة عمر إلى الأشعري تدل على أنه حكم مقرر، وكذا من ذكرنا معه من الصحابة فإذا رفع التردد في النسخ، والثبوت متحقق لا يحكم بالنسخ"أ هـ.
وقد عرفنا أن كتابة عمر إلى أبى موسى لم تصح؛ لأن في الرواية انقطاعًا، ولهذا أنكر الحسن أن يكون أحد من الخلفاء قال بزكاة الحلي.
وذكر أبو عبيد: أن القول بزكاته لم يصح عن أحد من الصحابة إلا عن ابن مسعود وبهذا ثبت كلام البيهقي وغيره من وقوع الريب في رواية الفتخات).