(جـ) ومن العلماء من تأول هذه الأحاديث المذكورة -على تقدير صحتها- بأن زكاة الحلي إنما وجبت في الوقت الذي كان الحلي من الذهب حرامًا، فلما صار مباحًا للنساء سقطت زكاته بالاستعمال، كما تسقط زكاة الماشية بالاستعمال قال البيهقي: وإلى ذلك ذهب كثير من أصحابنا، ثم ساق أخبارًا تدل على تحريم التحلي بالذهب، ثم أخرى تدل على إباحته للنساء، ثم قال: فهذه الأخبار وما ورد في معناها تدل على إباحة التحلي بالذهب للنساء، واستدللنا بحصول الإجماع على إباحته لهن، على نسخ الأخبار الدالة على تحريمه فيهن خاصة(هذا الإجماع الذي نقله البيهقي في سننه: 4/142، وذكره ابن حجر في الفتح: 10/260، واستقر العمل به في سائر العصور، وفي شتى أقطار الإسلام -يعارض ما ذهب إليه المحدث الشيخ ناصر الدين الألباني في رسالته عن"آداب الزفاف"ف 29: أن التحلي بالذهب حرام على النساء حرمته على الرجال، إلا ما كان مقطعًا كالأزرار ونحوها.
ومما يؤيد نقل الإجماع هنا أمران:
أولًا: اختلاف الأئمة في وجوب زكاة الحلي للنساء، وحديثهم عنه حديث الأمر المفروغ من إباحته، ولو كان محرمًا لوجبت فيه الزكاة بالإجماع.
ثانيًا: استقرار العمل على الإباحة للنساء في شتى الأمصار والأعصار -منذ عهد الصحابة فمن بعدهم- دون نكير من أحد من المسلمين، وهذه الأمة لا تجتمع على ضلالة كل هذه القرون، وتستبيح ما حرم الله ورسوله دون تأويله، ولا إنكار من أحد من أهل العلم.
وهذا يدل على أن أحاديث حل الذهب والحرير للنساء هي المتأخرة والناسخة إذ لا يعقل أن تكون الأحاديث المحرمة هي الناسخة ثم يعمل الصحابة رضوان الله عليهم بضدها ولكنى أوافق الشيخ في تحريم ما بلغ حد السرف وتجاوز المعتاد، كالخواتيم الكبار ونحوها، ويمكن حمل بعض الأحاديث الواردة في التحريم على ذلك ولا يتسع المجال لمناقشة الموضوع هنا) .
ويعكر على هذا التأويل أن حديث عائشة كان عن"فتخات من ورق"أي فضة، ولم يقل أحد إن الفضة كانت محرمة ثم أبيحت (السنن الكبرى: 4/140 - 142) وفي حديث أم سلمة إقرار لها على لبسه.
وقد يخطر تأويل آخر في حديث عائشة وأم سلمة -إن صحت روايتهما- ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعامل نساءه وأهل بيته معاملة خاصة فيها شيء من التقشف، ومجافاة الزينة والترف؛ لما لهن من مكان القدوة بين نساء الأمة، ولهذا قال تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) (الأحزاب: 32) ، (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) (الأحزاب 30) .
فلعل هذا كان حكمًا خاصًا بهن، ومن أجل ذلك لم يرد عنهن أنهن أفتين بذلك لنساء الأمة عامة، ومن أجله لم تزك عائشة حلي بنات أخيها وهن في حجرها، مع أنها كانت تخرج الزكاة من سائر أموالهن، كما صحت بذلك الرواية.
(هـ) ومن العلماء من أول هذه الأحاديث -على فرض صحتها- بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى فيها إسرافًا ومجاوزة للمعتاد (انظر نهاية المحتاج: 2/88) فأوجب فيها الزكاة كفارة وتطهيرًا.
وما يعضد هذا التأويل وصف"المسكتين"اللتين كانتا في يدي ابنة المرأة بالغلظ و"الفتخات"فسروها بأنها: خواتيم كبار فلعلها كانت أكبر مما ينبغي وفي هذا دليل لمن قال بتزكية الحلي المحرم أو المكروه (المرجع السابق) .
ومن الصحابة من قال بزكاة الحلي، ولكن قال: تجب مرة واحدة، وهو مروى عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- فلا تتكرر زكاة الحلي بتكرر الحول (انظر المحلى: 6/78، والسنن الكبرى: 4/138) .
ومن الصحابة والتابعين من فسر زكاة الحلي تفسيرًا آخر: فليست زكاته كزكاة النقود بإخراج ربع العشر، بل زكاته إعارته في العرس ونحوه لمن تحتاج إليه، ويرون ذلك واجبًا.
وروى ذلك البيهقي عن ابن عمرو وابن المسيب (السنن الكبرى: 4/140) .
وروى أبو عبيد وابن أبى شيبة ذلك عن: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وقتادة، والشعبي، أن زكاة الحلي إعارته (الأموال ص 443، والمصنف: 4/28) .
وكل هذه الاحتمالات الواردة في دلالة الأحاديث المذكورة تسقط الاستدلال بها وفقًا للقاعدة المشهورة: إذا تطرق إلى الدليل الاحتمال، سقط به الاستدلال وهذا كله مبنى على افتراض التسليم بصحة هذه الأحاديث فكيف وفى كل منها ما ذكرناه من أسباب الضعف؟
والغريب في هذه القضية: أن فقهاء مدرسة الرأي -كما يسمون- يستدلون على مذهبهم فيها بالحديث والأثر، وفقهاء مدرسة الحديث يستدلون بالرأي والنظر (وهذا يدلنا على أن تقسيم الأئمة المتبوعين إلى أهل رأى، وأهل حديث -تقسيم فيه كثير من المبالغة؛ فإن أهل الرأي لا يرفضون الحديث، وأهل الحديث لا يرفضون الرأي والنظر- كما رأينا- والقضية تحتاج إلى تمحيص وقد أثبت أستاذنا العلامة الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه عن"مالك"أنه من أهل الرأي أيضًا، وأيد ذلك بالأدلة الناصعة. فليراجع.) .
وأما ما ورد عن بعض الصحابة مثل ابن مسعود -وقد صح ذلك عنه- وابن عمرو بن العاص -وفي صحته كلام- فالملاحظ: أنهم لم يفتوا بذلك الناس كافة، ولم يرد عنهم أنهم ألزموا به الجميع.
وكل ما ورد عنهم أنهم عملوا بذلك في خاصة أنفسهم وبيوتهم، فامرأة ابن مسعود تسأله عن طوقها الذهبي: أتؤدى زكاته ؟ فيجيبها: نعم وسؤالها عنه يدل على أن حكم الحلي لم يكن متعلمًا بينهم وابن عمرو يزكى حلى بناته كل عام فلا يبعد أن يكون هذا ورعًا منهم، وعملًا بالاحتياط لأنفسهم وأهلهم في أمر لم يعرفوا فيه عن الرسول حكمًا.