فهرس الكتاب

الصفحة 1131 من 2053

الأثر الوحيد الذي يخرج عن هذه الدائرة هو ما قيل إن عمر كتب إلى أبى موسى أن يأمر نساء المسلمين أن يزكين حليهن، ولكن هذا لم تثبت صحته، وأنكر الحسن أن يكون أحد من الخلفاء أوجب زكاة الحلي.

ما اتُّخذ من الحلي كنزًا ففيه الزكاة

وما اخترناه من عدم زكاة الحلي إنما نعنى به المستعمل المنتفع به، فهذا الذي قلنا: إنه زينة ومتاع، أما ما اتخذ مادة للكنز والادخار، واعتبره أصحابه بمنزلة الدنانير المخزونة، والنقود المكنوزة، فمثل هذا يجب أن يزكى.

ولذا روى عن سعيد بن المسيب: الحلي إذا لبس وانتفع به فلا زكاة فيه، وإذا لم يلبس ولم ينتفع به ففيه الزكاة (الأموال ص 443) .

وقال مالك: من كان عنده تبر وحلي من ذهب أو فضة لا ينتفع به للبس فإن عليه فيه الزكاة في كل عام، يوزن فيؤخذ ربع عشره، إلا أن ينقص عن وزن عشرين دينارًا عينًا أو مائتي درهم فإن نقص عن ذلك فليس فيه الزكاة، وإنما تكون فيه الزكاة إذا كان إنما يمسكه لغير اللبس، فأما التبر والحلي المكسور الذي يريد أهله إصلاحه ولبسه فإنما هو بمنزلة المتاع الذي يكون عند أهله، فليس على أهله فيه زكاة (الموطأ وشرحه المنتقى: 2/107 وقد تبين من قول مالك أن الحلي إذا انكسر ولم يمكن إصلاحه، أو لم ينو إصلاحه: تجب فيه الزكاة انظر: بلغة السالك: 1/19، والروضة للنووي: 2/261 وينعقد الحول من يوم الانكسار) .

وقال النووي: قال أصحابنا: لو اتخذ حليًا ولم يقصد به استعمالًا محرمًا ولا مكروهًا ولا مباحًا، بل قصد كنزه واقتناءه، فالمذهب الصحيح وجوب الزكاة فيه وبه قطع الجمهور (المجموع: 6/36، والروضة: 2/260) .

ونحو هذا ما قاله الليث بن سعد: ما كان من حلى يلبس ويعار فلا زكاة فيه، وما كان من حلى اتخذ ليحرز من الزكاة ففيه الزكاة (المحلى: 6/76) ، ومعنى هذا أن القصد منه ليس اللبس والاستعمال، بل الفرار من الزكاة.

قال ابن حزم ردًا على قول الليث: ولو كان هذا لوجب على من اشترى بدراهمه دارًا أو ضيعة ليحرزها من الزكاة أن يزكيها (المرجع السابق) ونحن نقول: إن روح الشريعة التي جاءت بإبطال الحيل، ومعاملة المحتال بنقيض قصده تحتم هذا.

وكذلك قرر الحنابلة: أن ما اتخذ حليًا فرارًا من الزكاة لا تسقط عنه (المغنى: 3/11) .

وسنعود لمسالة الاحتيال على إسقاط الزكاة في باب أداء الزكاة إن شاء الله.

وحلي الرجل الذي يحلي به أهله أو يعيره لمن يتحلى به أو يعيده لذلك، شأنه شأن الحلي الذي تملكه المرأة، لأنه مصروف عن جهة النماء إلى استعمال مباح.

ما جاوز المعتاد من الحلي ففيه الزكاة

وما بلغ من الحلي حد السرف ومجاوزة المعتاد يجب أن يزكى، وذلك أن وجه إسقاط الزكاة عن الحلي -مع أنه مادة النقدين- هو أن الشريعة أباحت استعماله والتزين به للمرأة، فصار بمنزلة الثياب ومتاع البيت.

أما ما جاوز حد الاعتدال فهو محرم أو مكروه، واستعمال غير معترف به شرعًا ولذا قال النووي: قال أصحابنا -يعنى الشافعية: كل حلى أبيح للنساء فإنما يباح إذا لم يكن فيه سرف ظاهر، فإن كان كخلخال وزنه مائتا دينار، فالصحيح الذي قطع به معظم العراقيين تحريمه (المجموع: 6/40) .

وقال ابن حامد -من الحنابلة- في الحلي: يباح ما لم يبلغ ألف مثقال فإن بلغها حرم، وفيه الزكاة لما روى أبو عبيد والأثرم عن عمرو بن دينار قال: سئل جابر عن الحلي - هل فيه زكاة ؟ قال: لا! فقيل له: ألف دينار ؟ فقال: إن ذلك لكثير (المغنى: 3/11 وانظر الأثر رقم(1275) من الأموال ص 442، ورواه أيضًا الشافعي والبيهقي- انظر السنن الكبرى: 4/138) ولأنه يجر إلى السرف والخيلاء، ولا يحتاج إليه في الاستعمال (المغنى: 3/11) .

وهذا استدلال قوى، ولكن صاحب"المغنى"رجح بأن الشرع أباح التحلي مطلقًا من غير تقييد، فلا يجوز تقييده بالرأي والتحكيم (المرجع السابق: 3/11) .

ونسى الشيخ -رحمه الله- أن استعمال المباحات في الشريعة مقيد بقيدين: عدم الإسراف، وعدم الاختيال.

وفي هذا جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-:"كلوا واشربوا والبسوا من غير سرف ولا مخيلة" (رواه البخاري في صحيحه معلقًا -انظر تفسير ابن كثير: 2/182- طبع عيسى الحلبي) ، ورواه النسائي في سننه -كتاب الزكاة- الاحتيال في الصدقة: 5/79- طبع المطبعة المصرية بالأزهر).

ويمكن أن يحمل حديث المرأة اليمنية -التي دخلت على الرسول وفى يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها ما قال- على أن هذا القدر كان مجاوزًا للمعتاد، وفيه إسراف، بالنسبة لابنة المرأة، ولهذا وصفت المسكتان بالغلظ ومن العلماء من أول هذا الحديث بذلك، وأن الزكاة إنما شرعت للزيادة فيه على قدر الحاجة (نصب الراية: 2/375، والمرقاة الجزء الرابع) ولعل هذا ما جعل عبد الله بن عمرو يزكى حلي بناته، فقد رووا أنه حلى ثلاث بنات له بستة آلاف دينار (رواه أبو عبيد ص 440) وهذا قدر كبير تجاوز المعتاد ولكن هل يزكى القدر الزائد أم الجميع؟ الظاهر من الأحاديث المذكورة أن الجميع يزكى حينئذ كأن ذلك نوع من التكفير عن هذا الغلو في استعمال المباح والله أعلم.

إن القول بالإباحة المطلقة، وبعدم إيجاب الزكاة مطلقًا، جعل مجموعة من ثروة الأمة تعطل في نفائس من الحلي، قد يمر العام والأعوام ولا تتحلى به المرأة، مما اضطرهم أن يودعوها في خزانات خاصة في المصارف (البنوك) خشية عليها من سطو اللصوص.

ولكن ما حد الإسراف؟

إن حد ذلك -فيما أرى- يختلف باختلاف الأشخاص والبيئات والأحوال، فحلي بألف دينار قد يكون مناسبًا لثرية أو زوجة ثرى في بلد غني مثل أمريكا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت