5 -إيتاء الزّكاة كان مشروعًا في ملل الأنبياء السّابقين ، قال اللّه تعالى في حقّ إبراهيم وآله عليهم الصلاة والسلام: { وجعلناهم أئمّةً يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة وكانوا لنا عابدين } . وشرع للمسلمين إيتاء الصّدقة للفقراء ، منذ العهد المكّيّ ، كما في قوله تعالى: { فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فكّ رقبةٍ أو إطعام في يومٍ ذي مسغبةٍ يتيمًا ذا مقربةٍ أو مسكينًا ذا متربةٍ } وبعض الآيات المكّيّة جعلت للفقراء في أموال المؤمنين حقًّا معلومًا ، كما في قوله تعالى: { والّذين في أموالهم حقّ معلوم للسّائل والمحروم } . وقال ابن حجرٍ: اختلف في أوّل فرض الزّكاة فذهب الأكثرون إلى أنّه وقع بعد الهجرة ، وادّعى ابن خزيمة في صحيحه أنّ فرضها كان قبل الهجرة . واحتجّ بقول جعفرٍ للنّجاشيّ: { ويأمرنا بالصّلاة والزّكاة والصّيام } ويحمل على أنّه كان يأمر بذلك في الجملة ، ولا يلزم أن يكون المراد هذه الزّكاة المخصوصة ذات النّصاب والحول . قال: وممّا يدلّ على أنّ فرض الزّكاة وقع بعد الهجرة اتّفاقهم على أنّ صيام رمضان إنّما فرض بعد الهجرة ; لأنّ الآية الدّالّة على فرضيّته مدنيّة بلا خلافٍ ، وثبت من حديث قيس بن سعدٍ قال: { أمرنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزّكاة ، ثمّ نزلت فريضة الزّكاة فلم يأمرنا ولم ينهنا ، ونحن نفعله } .
فضل إيتاء الزّكاة:
6 -يظهر فضل الزّكاة من أوجهٍ:
1 -اقترانها بالصّلاة في كتاب اللّه تعالى ، فحيثما ورد الأمر بالصّلاة اقترن به الأمر بالزّكاة ، من ذلك قوله تعالى: { وأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة وما تقدّموا لأنفسكم من خيرٍ تجدوه عند اللّه } . ومن هنا قال أبو بكرٍ في قتال مانعي الزّكاة: واللّه لأقاتلنّ من فرّق بين الصّلاة والزّكاة ، إنّها لقرينتها في كتاب اللّه .
2 -أنّها ثالث أركان الإسلام الخمسة ، لما في الحديث { بني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّدًا رسول اللّه ، وإقام الصّلاة ، وإيتاء الزّكاة ، وصوم رمضان ، وحجّ البيت } .
3 -أنّها من حيث هي فريضة أفضل من سائر الصّدقات لأنّها تطوّعيّة ، وفي الحديث القدسيّ { ما تقرّب إليّ عبدي بشيءٍ أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه } . أمّا فضل إيتاء الزّكاة من حيث هي صدقة من الصّدقات فيأتي في مباحث: ( صدقة التّطوّع ) .
حكمة تشريع الزّكاة:
7 -أ - أنّ الصّدقة وإنفاق المال في سبيل اللّه يطهّران النّفس من الشّحّ والبخل ، وسيطرة حبّ المال على مشاعر الإنسان ، ويزكّيه بتوليد مشاعر الموادّة ، والمشاركة في إقالة العثرات ، ودفع حاجة المحتاجين ، أشار إلى ذلك قول اللّه تعالى . { خذ من أموالهم صدقةً تطهّرهم وتزكّيهم بها } ، وفيها من المصالح للفرد والمجتمع ما يعرف في موضعه ، ففرض اللّه تعالى من الصّدقات حدًّا أدنى ألزم العباد به ، وبيّن مقاديره ، قال الدّهلويّ: إذ لولا التّقدير لفرّط المفرط ولاعتدى المعتدي . ب - الزّكاة تدفع أصحاب الأموال المكنوزة دفعًا إلى إخراجها لتشترك في زيادة الحركة الاقتصاديّة ، يشير إلى ذلك قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: { ألا من ولي يتيمًا له مال فليتّجر فيه ، ولا يتركه حتّى تأكله الصّدقة } .
ج - الزّكاة تسدّ حاجة جهات المصارف الثّمانية وبذلك تنتفي المفاسد الاجتماعيّة والخلقيّة النّاشئة عن بقاء هذه الحاجات دون كفايةٍ .
أحكام مانع الزّكاة: إثم مانع الزّكاة:
8 -من منع الزّكاة فقد ارتكب محرّمًا هو كبيرة من الكبائر ، وورد في القرآن والسّنّة ما يفيد أنّ عقوبته في الآخرة من نوعٍ خاصٍّ ، كما في حديث مسلمٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: { ما من صاحب كنزٍ لا يؤدّي زكاته إلاّ أحمي عليه في نار جهنّم ، فيجعل صفائح ، فيكوى بها جنباه وجبينه ، حتّى يحكم اللّه بين عباده في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنةٍ ، ثمّ يرى سبيله إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار ، وما من صاحب إبلٍ لا يؤدّي زكاتها إلاّ بطح لها بقاعٍ قرقرٍ كأوفر ما كانت تستنّ عليه ، كلّما مضى عليه أخراها ردّت عليه أولاها ، حتّى يحكم اللّه بين عباده ، في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنةٍ ، ثمّ يرى سبيله إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار ، وما من صاحب غنمٍ لا يؤدّي زكاتها ، إلاّ بطح لها بقاعٍ قرقرٍ ، كأوفر ما كانت ، فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها ، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ، كلّما مضى عليه أخراها ردّت عليه أولاها ، حتّى يحكم اللّه بين عباده ، في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنةٍ ممّا تعدّون ، ثمّ يرى سبيله إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار } .
العقوبة لمانع الزّكاة: