فهرس الكتاب

الصفحة 1181 من 2053

158 -واختلف الفقهاء في حدّ كلٍّ من الصّنفين: فقال الشّافعيّة والحنابلة: الفقير من لا مال له ولا كسب يقع موقعًا من حاجته ، كمن حاجته عشرة فلا يجد شيئًا أصلًا ، أو يقدر بماله وكسبه وما يأتيه من غلّةٍ وغيرها على أقلّ من نصف كفايته . فإن كان يجد النّصف أو أكثر ولا يجد كلّ العشرة فمسكين . وقال الحنفيّة والمالكيّة: المسكين من لا يجد شيئًا أصلًا فيحتاج للمسألة وتحلّ له . واختلف قولهم في الفقير: فقال الحنفيّة: الفقير من له أدنى شيءٍ وهو ما دون النّصاب ، فإذا ملك نصابًا من أيّ مالٍ زكويٍّ فهو غنيّ لا يستحقّ شيئًا من الزّكاة ، فإن ملك أقلّ من نصابٍ فهو غير مستحقٍّ ، وكذا لو ملك نصابًا غير نامٍ وهو مستغرق في الحاجة الأصليّة ، فإن لم يكن مستغرقًا منع ، كمن عنده ثياب تساوي نصابًا لا يحتاجها ، فإنّ الزّكاة تكون حرامًا عليه ، ولو بلغت قيمة ما يملكه نصبًا فلا يمنع ذلك كونه من المستحقّين للزّكاة إن كانت مستغرقةً بالحاجة الأصليّة كمن عنده كتب يحتاجها للتّدريس ، أو آلات حرفةٍ ، أو نحو ذلك . وقال المالكيّة: الفقير من يملك شيئًا لا يكفيه لقوت عامه .

الغنى المانع من أخذ الزّكاة بوصف الفقر أو المسكنة:

159 -الأصل أنّ الغنيّ لا يجوز إعطاؤه من الزّكاة ، وهذا اتّفاقيّ ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: { لا حظّ فيها لغنيٍّ } . ولكن اختلف في الغنى المانع من أخذ الزّكاة: فقال الجمهور من المالكيّة والشّافعيّة وهو رواية عن أحمد قدّمها المتأخّرون من أصحابه: إنّ الأمر معتبر بالكفاية ، فمن وجد من الأثمان أو غيرها ما يكفيه ويكفي من يموّنه فهو غنيّ لا تحلّ له الزّكاة ، فإن لم يجد ذلك حلّت له ولو كان ما عنده يبلغ نصبًا زكويّةً ، وعلى هذا ، فلا يمتنع أن يوجد من تجب عليه الزّكاة وهو مستحقّ للزّكاة . وقال الحنفيّة: هو الغنى الموجب للزّكاة ، فمن تجب عليه الزّكاة لا يحلّ له أن يأخذ الزّكاة ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: { إنّ اللّه قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم } . ومن ملك نصابًا من أيّ مالٍ زكويٍّ كان فهو غنيّ ، فلا يجوز أن تدفع إليه الزّكاة ولو كان ما عنده لا يكفيه لعامه ، ومن لم يملك نصابًا كاملًا فهو فقير أو مسكين ، فيجوز أن تدفع إليه الزّكاة ، كما تقدّم . وفي روايةٍ أخرى عند الحنابلة عليها ظاهر المذهب: إن وجد كفايته ، فهو غنيّ ، وإن لم يجد وكان لديه خمسون درهمًا ، أو قيمتها من الذّهب خاصّةً ، فهو غنيّ كذلك ولو كانت لا تكفيه ، لحديث { من سأل النّاس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح . قالوا يا رسول اللّه وما يغنيه ؟ قال: خمسون درهمًا أو قيمتها من الذّهب } . وإنّما فرّقوا بين الأثمان وغيرها اتّباعًا للحديث .

وفيما يلي تفصيل فروع هذه المسألة: إعطاء الزّكاة لمن لا يملك مالًا وله مورد رزقٍ:

160 -من لم يكن له مال أو له مال لا يكفيه فإنّه يستحقّ من الزّكاة عند الجمهور ، إلاّ أنّ من لزمت نفقته مليئًا من نحو والدٍ لا يعطى من الزّكاة ، وكذا لا تعطى الزّوجة لاستغنائها بإنفاق زوجها عليها . ومن له مرتّب يكفيه لم يجز إعطاؤه من الزّكاة . وكذا من كان له صنعة تكفيه وإن كان لا يملك في الحال مالًا . فإن كان واحد من هذه الأسباب يأتيه منه أقلّ من كفايته يجوز إعطاؤه تمام الكفاية . ونقل النّوويّ أنّ من له ضيعة تغلّ بعض كفايته أنّه لا يلزمه بيعها لتحلّ له الزّكاة ، وكذلك آلات المحترفين وكسب العالم . وقال الحنفيّة: يجوز دفع الزّكاة إلى من عنده دخل سنويّ أو شهريّ أو يوميّ من عقارٍ أو نحو ذلك ، إن لم يملك نصابًا زكويًّا ، ويجوز دفعها إلى الولد الّذي أبوه غنيّ إن كان الولد كبيرًا فقيرًا ، سواء كان ذكرًا أو أنثى ; لأنّه لا يعدّ غنيًّا بيسار أبيه وإن كانت نفقته عليه ، أمّا الولد الصّغير الّذي أبوه غنيّ فلا تدفع إليه الزّكاة لأنّه يعدّ غنيًّا بيسار أبيه ، وسواء كان الصّغير في عيال أبيه أم لا . وكذا قال أبو حنيفة ومحمّد: يجوز دفع الزّكاة إلى رجلٍ فقيرٍ له ابن موسر . وقال أبو يوسف: إن كان الأب في عيال الابن الموسر لا يجوز ، وإن لم يكن جاز . قالوا: وكذلك المرأة الفقيرة إن كان لها زوج غنيّ يجوز إعطاؤها من الزّكاة ، لأنّها لا تعدّ غنيّةً بيسار زوجها ، وبقدر النّفقة لا تصير موسرةً ، واستيجابها النّفقة بمنزلة الأجرة . ومن كان مستغنيًا بأن تبرّع أحد من النّاس بأن ينفق عليه ، فالصّحيح عند الحنابلة أنّه يجوز إعطاؤه من الزّكاة ، ويجوز للمتبرّع بنفقته أن يدفع إليه من الزّكاة ولو كان في عياله ، لدخوله في أصناف الزّكاة ، وعدم وجود نصٍّ أو إجماعٍ يخرجه من العموم .

إعطاء الفقير والمسكين القادرين على الكسب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت