فهرس الكتاب

الصفحة 1180 من 2053

153 -وإذا تلف من مال الزّكاة شيء في يد الإمام أو السّاعي ضمنه إن كان ذلك بتفريطٍ منه بأن قصّر في حفظه ، وكذا لو عرف المستحقّين وأمكنه التّفريق عليهم فلم يفعل حتّى تلفت ; لأنّه متعدٍّ بذلك ، فإن لم يتعدّ ولم يفرّط لم يضمن . قال النّوويّ: ينبغي للإمام والسّاعي وكلّ من يفوّض إليه أمر تفريق الصّدقات أن يعتني بضبط المستحقّين ، ومعرفة أعدادهم ، وأقدار حاجاتهم ، بحيث يقع الفراغ من جمع الصّدقات بعد معرفتهم أو معها ، ليعجّل حقوقهم ، وليأمن هلاك المال عنده . وتصرف الزّكاة في الأصناف الثّمانية ، ولا يجوز صرفها إلاّ لمن جمع شروط الاستحقاق ، ويأتي بيان ذلك بالتّفصيل .

154 -وإذا أخذ الإمام أو السّاعي الزّكاة فاحتاج إلى بيعها لمصلحةٍ ، من كلفةٍ في نقلها ، أو مرض البهيمة أو نحو ذلك جاز ، أمّا إذا باعها لغير ذلك فقد ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى عدم الجواز ، والبيع باطل ، وعليه الضّمان إن تلف ، وذلك لأنّ أهل الزّكاة أهل رشدٍ لا ولاية عليهم ، فلم يجز بيع مالهم بغير إذنهم . وفي احتمالٍ عند الحنابلة يجوز ذلك ، لما ورد عن قيس بن أبي حازمٍ { أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رأى في إبل الصّدقة ناقةً كوماء ، فسأل عنها ، فقال المصدّق: إنّي ارتجعتها بإبلٍ ، فسكت } قال أبو عبيدٍ: الرّجعة أن يبيعها ويشتري بثمنها مثلها أو غيرها .

( نصب العشّارين ) :

155 -ينصب الإمام على المعابر في طرق الأسفار عشّارين للجباية ممّن يمرّ عليهم بالمال من المسلمين وأهل الذّمّة وأهل الحرب إذا أتوا بأموالهم إلى بلاد الإسلام ، فيأخذ من أهل الإسلام ما يجب عليهم من زكاةٍ ، ويأخذ من أهل الذّمّة نصف العشر ، ويأخذ من أهل الحرب العشر . والّذي يأخذه من أهل الذّمّة وأهل الحرب فيء حكمه حكم الجزية يصرف في مصارف الفيء ، وينظر تفصيله في مصطلح: ( عشر ) . أمّا ما يأخذه من أهل الإسلام فهو زكاة يشترط له ما يشترط في سائر الأموال الزّكويّة ويصرف في مصارف الزّكاة ، إلاّ أنّ هذا النّوع من المال وإن كان في الأصل مالًا باطنًا لكنّه لمّا انتقل صاحبه به في البلاد أصبح في حكم المال الظّاهر على ما صرّح به ابن عابدين ، ولذا كانت ولاية قبض زكاته إلى الإمام ، كالسّوائم والزّروع . وصرّح الحنفيّة بتحليف من يمرّ على العاشر إن أنكر تمام الحول على ما بيده ، أو ادّعى أنّ عليه دينًا يسقط الزّكاة ، فإن حلف فالقول قوله ، وكذا إن قال أدّيتها إلى عاشرٍ آخر وأخرج براءةً ( إيصالًا رسميًّا بها ) ، وكذا إن قال أدّيتها بنفسي إلى الفقراء في المصر . ويشترط أن يكون ما معه نصابًا فأكثر حتّى يجب الأخذ منه ، فإن كان معه أقلّ من نصابٍ وله في المصر ما يكمل به النّصاب فلا ولاية للعاشر على الأخذ منه ; لأنّ ولايته على الظّاهر فقط . ويشترط في العاشر ما يشترط في السّاعي كما تقدّم وأن يأمن المسافرون بحمايته من اللّصوص .

القسم الخامس: مصارف الزّكاة:

156 -مصارف الزّكاة محصورة في ثمانية أصنافٍ . والأصناف الثّمانية قد نصّ عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: { إنّما الصّدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم وفي الرّقاب والغارمين وفي سبيل اللّه وابن السّبيل فريضةً من اللّه واللّه عليم حكيم } . و"إنّما"الّتي صدّرت بها الآية أداة حصرٍ ، فلا يجوز صرف الزّكاة لأحدٍ أو في وجهٍ غير داخلٍ في هذه الأصناف ، وقد أكّد ذلك ما ورد { أنّ رسول اللّه أتاه رجل فقال: أعطني من الصّدقة ، فقال: إنّ اللّه تعالى لم يرض بحكم نبيٍّ ولا غيره في الصّدقات حتّى حكم فيها هو فجزّأها ثمانيةً ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقّك } . ومن كان داخلًا في هذه الأصناف فلا يستحقّ من الزّكاة إلاّ بأن تنطبق عليه شروط معيّنة تأتي بعد بيان الأصناف . بيان الأصناف الثّمانية: الصّنفان الأوّل والثّاني: الفقراء والمساكين:

157 -الفقراء والمساكين هم أهل الحاجة الّذين لا يجدون ما يكفيهم ، وإذا أطلق لفظ ( الفقراء ) وانفرد دخل فيهم ( المساكين ) ، وكذلك عكسه ، وإذا جمع بينهما في كلامٍ واحدٍ ، كما في آية مصارف الزّكاة ، تميّز كلّ منهما بمعنًى . وقد اختلف الفقهاء في أيّهما أشدّ حاجةً ، فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الفقير أشدّ حاجةً من المسكين ، واحتجّوا بأنّ اللّه تعالى قدّم ذكرهم في الآية ، وذلك يدلّ على أنّهم أهمّ وبقوله تعالى: { أمّا السّفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر } . فأثبت لهم وصف المسكنة مع كونهم يملكون سفينةً ويحصّلون نولًا ، واستأنسوا لذلك أيضًا بالاشتقاق ، فالفقير لغةً: فعيل بمعنى مفعولٍ ، وهو من نزعت بعض فقار صلبه ، فانقطع ظهره ، والمسكين مفعيل من السّكون ، ومن كسر صلبه أشدّ حالًا من السّاكن . وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ المسكين أشدّ حاجةً من الفقير ، واحتجّوا بأنّ اللّه تعالى قال: { أو مسكينًا ذا متربةٍ } . وهو المطروح على التّراب لشدّة جوعه ، وبأنّ أئمّة اللّغة قالوا ذلك ، منهم الفرّاء وثعلب وابن قتيبة ، وبالاشتقاق أيضًا ، فهو من السّكون ، كأنّه عجز عن الحركة فلا يبرح . ونقل الدّسوقيّ قولًا أنّ الفقير والمسكين صنف واحد ، وهو من لا يملك قوت عامه ، سواء كان لا يملك شيئًا أو يملك أقلّ من قوت العام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت