180 -ذهب الحنفيّة وهو قول للشّافعيّة والحنابلة ( على المذهب ) والنّخعيّ: إلى أنّه لا تعطى الزّكاة في تجهيز ميّتٍ عند من قال بأنّ ركن الزّكاة تمليكها لمصرفها ، فإنّ الميّت لا يملك ، ومن شرط صحّة الزّكاة التّمليك ، قالوا: ولا يجوز أن يقضى بها دين الميّت الّذي لم يترك وفاءً ; لأنّ قضاء دين الغير بها لا يقتضي تمليكه إيّاها ، قال أحمد: لا يقضى من الزّكاة دين الميّت ، ويقضى منها دين الحيّ . وقال المالكيّة وهو قول للشّافعيّة ونقله في الفروع عن أبي ثورٍ ، وعن اختيار ابن تيميّة ، وأنّ في ذلك روايةً عن أحمد: أنّه لا بأس أن يقضى من الزّكاة دين الميّت الّذي لم يترك وفاءً إن تمّت فيه شروط الغارم ، قال بعض المالكيّة: بل هو أولى من دين الحيّ في أخذه من الزّكاة ، لأنّه لا يرجى قضاؤه بخلاف الحيّ ، واحتجّ النّوويّ لهذا القول بعموم الغارمين في آية مصارف الزّكاة ، وبأنّه يصحّ التّبرّع بقضاء دين الميّت كدين الحيّ .
8 -جهات الخير من غير الأصناف الثّمانية:
181 -ذهب الفقهاء إلى أنّه لا يجوز صرف الزّكاة في جهات الخير غير ما تقدّم بيانه ، فلا تنشأ بها طريق ، ولا يبنى بها مسجد ولا قنطرة ، ولا تشقّ بها ترعة ، ولا يعمل بها سقاية ، ولا يوسّع بها على الأصناف ، ولم يصحّ فيه نقل خلافٍ عن معيّنٍ يعتدّ به ، وظاهر كلام الرّمليّ أنّه إجماع ، واحتجّوا لذلك بأمرين: الأوّل: أنّه لا تمليك فيها ; لأنّ المسجد ونحوه لا يملك ، وهذا عند من يشترط في الزّكاة التّمليك . والثّاني: الحصر الّذي في الآية ، فإنّ المساجد ونحوها ليست من الأصناف الثّمانية ، وفي الحديث المتقدّم الّذي فيه: { إنّ اللّه جعل الزّكاة ثمانية أجزاءٍ } . ولا يثبت ممّا نقل عن أنسٍ وابن سيرين خلاف ذلك .
ما يراعى في قسمة الزّكاة بين الأصناف الثّمانية:
أ - ( تعميم الزّكاة على الأصناف ) :
182 -ذهب جمهور العلماء ( الحنفيّة والمالكيّة وهو المذهب عند الحنابلة وهو قول الثّوريّ وأبي عبيدٍ ) إلى أنّه لا يجب تعميم الزّكاة على الأصناف ، سواء كان الّذي يؤدّيها إليها ربّ المال أو السّاعي أو الإمام ، وسواء كان المال كثيرًا أو قليلًا ، بل يجوز أن تعطى لصنفٍ واحدٍ أو أكثر ، ويجوز أن تعطى لشخصٍ واحدٍ إن لم تزد عن كفايته ، وهو مرويّ عن عمر وابن عبّاسٍ ، قال ابن عبّاسٍ: في أيّ صنفٍ وضعته أجزأك .
183 -واحتجّوا بحديث: { تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم } قالوا: والفقراء صنف واحد من أصناف أهل الزّكاة الثّمانية ، وبوقائع أعطى فيها النّبيّ صلى الله عليه وسلم الزّكاة لفردٍ واحدٍ أو أفرادٍ ، منها: { أنّه أعطى سلمة بن صخرٍ البياضيّ صدقة قومه } . وقال لقبيصة: { أقم يا قبيصة حتّى تأتينا الصّدقة فنأمر لك بها } . قالوا: واللّام في آية الصّدقات بمعنى"أو"، أو هي لبيان المصارف ، أو هي للاختصاص ، ومعنى الاختصاص عدم خروجها عنهم . وصرّح المالكيّة بأنّ التّعميم لا يندب إلاّ أن يقصد الخروج من الخلاف ، وكذا استحبّ الحنابلة التّعميم للخروج من الخلاف . وذهب الشّافعيّة ، وهو رواية عن أحمد وقول عكرمة ، إلى أنّه يجب تعميم الأصناف ، وإعطاء كلّ صنفٍ منهم الثّمن من الزّكاة المتجمّعة ، واستدلّوا بآية الصّدقات ، فإنّه تعالى أضاف الزّكاة إليهم فاللّام التّمليك ، وأشرك بينهم بواو التّشريك ، فدلّ على أنّها مملوكة لهم مشتركة بينهم ، فإنّه لو قال ربّ المال: هذا المال لزيدٍ وعمرٍو وبكرٍ قسمت بينهم ووجبت التّسوية ، فكذا هذا ، ولو أوصى لهم وجب التّعميم والتّسوية . وتفصيل مذهب الشّافعيّة في ذلك أنّه يجب استيعاب الأصناف الثّمانية في القسم إن قسم الإمام وهناك عامل ، فإن لم يكن عامل بأن قسم المالك ، أو حمل أصحاب الأموال زكاتهم إلى الإمام ، فالقسمة على سبعة أصنافٍ ، فإن فقد بعضهم فعلى الموجودين منهم ، ويستوعب الإمام من الزّكوات المجتمعة عنده آحاد كلّ صنفٍ وجوبًا ، إن كان المستحقّون في البلد ، ووفى بهم المال . وإلاّ فيجب إعطاء ثلاثةٍ من كلّ صنفٍ ; لأنّ الآية ذكرت الأصناف بصيغة الجمع . قالوا: وينبغي للإمام أو السّاعي أن يعتني بضبط المستحقّين ، ومعرفة أعدادهم ، وقدر حاجاتهم ، واستحقاقهم ، بحيث يقع الفراغ من جمع الزّكوات بعد معرفة ذلك أو معه ليتعجّل وصول حقّهم إليهم . قالوا: وتجب التّسوية بين الأصناف ، وإن كانت حاجة بعضهم أشدّ ، ولا تجب التّسوية بين أفراد كلّ صنفٍ إن قسم المالك ، بل يجوز تفضيل بعضهم على بعضٍ ، أمّا إن قسم الإمام فيحرم عليه التّفضيل مع تساوي الحاجات ، فإن فقد بعض الأصناف أعطى سهمه للأصناف الباقية ، وكذا إن اكتفى بعض الأصناف وفضل شيء ، فإن اكتفى جميع أفراد الأصناف جميعًا بالبلد ، جاز النّقل إلى أقرب البلاد إليه على الأظهر ، على ما يأتي بيانه . وقال النّخعيّ: إن كانت الزّكاة قليلةً جاز صرفها إلى صنفٍ واحدٍ ، وإلاّ وجب استيعاب الأصناف ، وقالا أبو ثورٍ وأبو عبيدٍ: إن أخرجها الإمام وجب استيعاب الأصناف ، وإن أخرجها المالك جاز أن يجعلها في صنفٍ واحدٍ .
التّرتيب بين المصارف: