184 -صرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّ العامل على الزّكاة يبدأ به قبل غيره في الإعطاء من الزّكاة ; لأنّه يأخذ على وجه العوض عن عمله ، وغيره يأخذ على سبيل المواساة ، قال الشّافعيّة وهو قول عند الحنابلة: فإن كان سهم العاملين وهو ثمن الزّكاة قدر حقّه أخذه ، وإن زاد عن حقّه ردّ الفاضل على سائر السّهام ، وإن كان أقلّ من حقّه تمّم له من سهم المصالح ، وقيل: من باقي السّهام . والمذهب عند الحنابلة أنّ العامل يقدّم بأجرته على سائر الأصناف ، أي من مجموع الزّكاة . أمّا ما بعد ذلك ، فقال الشّافعيّة: يقسم بين باقي الأصناف كما تقدّم . ونظر الحنفيّة والمالكيّة إلى الحاجة ، فقال الحنفيّة: يقدّم المدين على الفقير لأنّ حاجة المدين أشدّ ، وراعى الحنفيّة أمورًا أخرى تأتي في نقل الزّكاة . وقال المالكيّة: يندب إيثار المضطرّ على غيره بأن يزاد في إعطائه منها . ونظر الحنابلة إلى الحاجة مع القرابة فقالوا: يقدّم الأحوج فالأحوج استحبابًا ، فإن تساووا قدّم الأقرب إليه ، ثمّ من كان أقرب في الجوار وأكثر دينًا ، وكيف فرّقها جاز ، بعد أن يضعها في الأصناف الّذين سمّاهم اللّه تعالى .
نقل الزّكاة:
185 -إذا فاضت الزّكاة في بلدٍ عن حاجة أهلها جاز نقلها اتّفاقًا ، بل يجب ، وأمّا مع الحاجة فيرى الحنفيّة أنّه يكره تنزيهًا نقل الزّكاة من بلدٍ إلى بلدٍ ، وإنّما تفرّق صدقة كلّ أهل بلدٍ فيهم ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: { تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم } . ولأنّ فيه رعاية حقّ الجوار ، والمعتبر بلد المال ، لا بلد المزكّي . واستثنى الحنفيّة أن ينقلها المزكّي إلى قرابته ، لما في إيصال الزّكاة إليهم من صلة الرّحم . قالوا: ويقدّم الأقرب فالأقرب . واستثنوا أيضًا أن ينقلها إلى قومٍ هم أحوج إليها من أهل بلده ، وكذا لأصلح ، أو أورع ، أو أنفع للمسلمين ، أو من دار الحرب إلى دار الإسلام ، أو إلى طالب علمٍ . وذهب المالكيّة والشّافعيّة في الأظهر والحنابلة إلى أنّه لا يجوز نقل الزّكاة إلى ما يزيد عن مسافة القصر ، لحديث معاذٍ المتقدّم ، ولما ورد أنّ عمر رضي الله عنه بعث معاذًا إلى اليمن ، فبعث إليه معاذ من الصّدقة ، فأنكر عليه عمر وقال: لم أبعثك جابيًا ولا آخذ جزيةٍ ، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء النّاس فتردّ على فقرائهم ، فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيءٍ وأنا أجد من يأخذه منّي . وروي أنّ عمر بن عبد العزيز أتي بزكاةٍ من خراسان إلى الشّام فردّها إلى خراسان . قالوا: والمعتبر بلد المال ، إلاّ أنّ المالكيّة قالوا: المعتبر في الأموال الظّاهرة البلد الّذي فيه المال ، وفي النّقد وعروض التّجارة البلد الّذي فيه المالك . واستثنى المالكيّة أن يوجد من هو أحوج ممّن هو في البلد ، فيجب حينئذٍ النّقل منها ولو نقل أكثرها .
186 -ثمّ إن نقلت الزّكاة حيث لا مسوّغ لنقلها ممّا تقدّم ، فقد ذهب الحنفيّة والشّافعيّة ، والحنابلة على المذهب ، إلى أنّها تجزئ عن صاحبها ; لأنّه لم يخرج عن الأصناف الثّمانية . وقال المالكيّة: إن نقلها لمثل من في بلده في الحاجة فتجزئه مع الحرمة ، وإن نقلها لأدون منهم في الحاجة لم تجزئه على ما ذكره خليل والدّردير ، وقال الدّسوقيّ: نقل الموّاق أنّ المذهب الإجزاء بكلّ حالٍ . وقال الحنابلة في روايةٍ: لا تجزئه بكلّ حالٍ . وحيث نقلت الزّكاة فأجرة النّقل عند المالكيّة تكون من بيت المال لا من الزّكاة نفسها . وقال الحنابلة: تكون على المزكّي .
حكم من أعطي من الزّكاة لوصفٍ فزال الوصف وهي في يده:
187 -من أهل الزّكاة من يأخذ أخذًا مستقرًّا فلا يستردّ منه شيء إن كان فيه سبب الاستحقاق بشروطه عند الأخذ ، وهم أربعة أصنافٍ: المسكين ، والفقير ، والعامل ، والمؤلّف قلبه . ومنهم من يأخذ أخذًا مراعًى ، فيستردّ منه إن لم ينفقه في وجهه ، أو تأدّى الغرض من بابٍ آخر ، أو زال الوصف والزّكاة في يده ، وهم أيضًا أربعة أصنافٍ ، على خلافٍ في بعضها:
1 -المكاتب ، فيستردّ من المعطى ما أخذ على الأصحّ عند الشّافعيّة ، وفي روايةٍ عند الحنابلة إن مات قبل أن يعتق ، أو عجز عن الوفاء فلم يعتق ، وقال الحنفيّة وهو رواية عند الحنابلة: يكون ما أخذه لسيّده ويحلّ له ، وفي روايةٍ عن أحمد: لا يستردّ ، ولا يكون لسيّده ، بل ينفق في المكاتبين . ولا ترد المسألة عند المالكيّة ; لأنّهم لا يرون صرف الزّكاة للمكاتبين كما تقدّم .
2 -الغارم: فإن استغنى المدين الّذي أخذ الزّكاة قبل دفعها في دينه تنزع منه ، وكذا لو أبرئ من الدّين ، أو قضاه من غير الزّكاة ، أو قضاه عنه غيره . وهذا عند المالكيّة ، وعلى الأصحّ عند كلٍّ من الشّافعيّة والحنابلة ، ما لم يكن فقيرًا .
3 -الغازي في سبيل اللّه: وقد صرّح المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بأنّه إن أخذ الزّكاة للغزو ثمّ جلس فلم يخرج أخذت منه ، وقال الشّافعيّة والحنابلة أيضًا: لو خرج للغزو وعاد دون أن يقاتل مع قرب العدوّ تؤخذ منه كذلك . وحيث وجب الرّدّ تنزع منه إن كان باقيه في يده ، وإن أنفقها أتّبع بها ، أي طولب ببدلها إن كان غنيًّا ; لأنّها تكون دينًا في ذمّته .