والثّالث: لا ينجس الماء بحال لأنّه لا يمكن الاحتراز منها فعفي عنه ، ودليل هذا الوجه حديث: « إنّما هي من الطّوّافين عليكم أو الطّوّافات » وهذا هو الأحسن عند الغزاليّ وغيره لعموم الحاجة وعسر الاحتراز فهي كاليهوديّ وشارب الخمر فإنّه لا يكره سؤرهما عند الشّافعيّة . والتّفاصيل في مصطلح: ( شكّ ، طهارة ، نجاسة ) .
5-وذهب الحنابلة إلى تقسيم الحيوان إلى قسمين قسم نجس وقسم طاهر .
ثمّ قسّموا النّجس إلى نوعين:
النّوع الأوّل: ما هو نجس روايةً واحدةً وهو الكلب والخنزير وما تولّد منهما أو من أحدهما، فهذا النّوع سؤره وعينه وجميع ما يخرج منه نجس ، لقوله تعالى في الخنزير: { فَإنَّهُ رِجْسٌ } الآية وقوله صلى الله عليه وسلم في الكلب: « إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثمّ ليغسله سبع مرّات » وفي رواية: « ليغسله سبع مرّات أولاهنّ بالتّراب » .
فإذا ولغ في ماء أو مائع آخر يجب إراقته ، وإذا أكل من طعام فلا يجوز أكله .
النّوع الثّاني: ما اختلف في نجاسته وهو سائر سباع البهائم وجوارح الطّير والحمار الأهليّ والبغل ، فعن أحمد أنّ سؤرها نجس إلاّ السّنّور وما يماثلها في الخلقة أو دونها فيها ، فإذا شربت من ماء قليل ولم يجد غيره تركه وتيمّم ، « لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء وما ينوبه من السّباع فقال: إذا كان الماء قلّتين فإنّه لا ينجس » فلو كانت طاهرةً لم يحدّه بالقلّتين . « ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحمر الأهليّة يوم خيبر: إنّها رجس » ولأنّه حيوان حرم أكله ، لا لحرمته مثل الفرس - حيث يحرم أكله عند من يقول بحرمته - ويمكن التّحرّز منه غالبًا فأشبه الكلب ، ولأنّ السّباع والجوارح الغالب عليها أكل الميتات ، والنّجاسات فتنجّس أفواهها ، ولا يتحقّق وجود مطهّر لها ، فينبغي أن يقضى بنجاستها كالكلاب .
وروي عن أحمد أنّه قال: في البغل والحمار إذا لم يجد غير سؤرها تيمّم معه وهو قول الثّوريّ .
قال ابن قدامة: وهذه الرّواية تدلّ على طهارة سؤرهما ، لأنّه لو كان نجسًا لم تجز الطّهارة به . وروي عن إسماعيل بن سعيد: لا بأس بسؤر السّباع لأنّ عمر قال فيها: ترد علينا ونرد عليها ، ثمّ قال: والصّحيح عندي طهارة البغل والحمار ، « لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يركب الحمير والبغال » ، وتركب في زمنه ، وفي عصر الصّحابة ، فلو كانت نجسةً لبيّن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك ، ولأنّه لا يمكن التّحرّز منها بالنّسبة لمقتنيها فأشبه الهرّة ، ومن هذا النّوع الجلّالة الّتي تأكل النّجاسات ففي رواية أنّ سؤرها نجس ، وفي أخرى أنّه طاهر .
القسم الثّاني: طاهر في نفسه ، وسؤره وعرقه طاهران وهو ثلاثة أضرب:
الأوّل: الآدميّ، فهو طاهر وسؤره طاهر سواء كان مسلمًا أو كافرًا ، رجلًا أو امرأةً ، وإن كانت حائضًا أو نفساء أو كان الرّجل جنبًا لقوله صلى الله عليه وسلم: « المؤمن لا ينجس » . ولحديث « شرب النّبيّ صلى الله عليه وسلم من سؤر عائشة » .
الضّرب الثّاني: ما يؤكل لحمه ، فسؤره طاهر يجوز شربه والوضوء به ، إلاّ إن كان جلّالًا يأكل النّجاسات ففي سؤره الرّوايتان السّابقتان .
ويكره سؤر الدّجاجة المخلّاة لأنّ الظّاهر نجاسته .
الضّرب الثّالث: الهرّة وما يماثلها من الخلقة أو دونها كالفأرة وابن عرس ونحو ذلك من حشرات الأرض ، فسؤره طاهر يجوز شربه والوضوء به ، ولا يكره ، لحديث عائشة رضي الله عنها « قالت: كنت أتوضّأ أنا ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم من إناء واحد وقد أصابت منه الهرّة قبل ذلك قالت: وقد رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يتوضّأ بفضل الهرّة » . ولحديث كبشة الّذي سبق ذكره .
إلاّ أنّ أبا هريرة رضي الله عنه قال: يغسل الإناء الّذي ولغت فيه الهرّة مرّةً أو مرّتين ، وبه قال ابن المنذر ، وقال الحسن وابن سيرين: مرّةً ، وقال طاوس: سبع مرّات كالكلب ، وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه كره الوضوء بسؤر الهرّة والحمار .
وإذا أكلت الهرّة ونحوها نجاسةً ثمّ شربت من ماء يسير بعد أن غابت فالماء طاهر ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نفى عنها النّجاسة ، وتوضّأ بفضلها مع علمه بأنّها تأكل النّجاسات . وكذا إن شربت قبل أن تغيب فسؤرها طاهر كذلك في الرّاجح ، لأنّ الشّارع عفا عنها مطلقًا لمشقّة التّحرّز .
وقال القاضي وابن عقيل: ينجس الماء ; لأنّه وردت عليه نجاسة متيقّنة ، وقال المجد ابن تيميّة: الأقوى عندي أنّها إن ولغت عقيب الأكل فسؤرها نجس ، وإن كان بعده بزمن يزول فيه أثر النّجاسة بالرّيق لم ينجس ، قال: وكذلك يقوى عندي جعل الرّيق مطهّرًا أفواه الأطفال وبهيمة الأنعام ، وكلّ بهيمة أخرى طاهرة ، فإذا أكلوا نجاسةً وشربوا من ماء يسير أو أكلوا من طعام فسؤرهم طاهر ، وقيل: إن غابت الهرّة ونحوها بعد أن أكلت النّجاسة غيبةً يمكن ورودها على ما يطهّر فمها فسؤرها طاهر وإلاّ فنجس . وقيل: إن كانت الغيبة قدر ما يطهّر فمها فطاهر ، وإلاّ فنجس .