وعلى هذا فليس هو صلاةً . فلا يشترط له شروط الصّلاة . بل يجوز على غير طهارة . كان ابن عمر يسجد على غير طهارة . واختارها البخاريّ . لكنّ السّجود بشروط الصّلاة أفضل ، ولا ينبغي أن يخلّ بذلك إلاّ لعذر .
فالسّجود بلا طهارة خير من الإخلال به ، لكن قد يقال: إنّه لا يجب في هذه الحال كما لا يجب على السّامع إذا لم يسجد قارئ السّجود . وإن كان ذلك السّجود جائزًا عند جمهور العلماء .
وأمّا ستر العورة واستقبال القبلة والنّيّة فهي شروط لصحّة سجود التّلاوة على التّفصيل المبيّن في مصطلح: ( صلاة ، و عورة ) على أنّ الشّافعيّة اعتبروا النّيّة ركنًا .
دخول الوقت:
4 -يشترط لصحّة سجود التّلاوة دخول وقت السّجود ، ويحصل ذلك عند جمهور الفقهاء بقراءة جميع آية السّجدة أو سماعها ، فلو سجد قبل الانتهاء إلى آخر الآية ولو بحرف واحد لم يصحّ السّجود ، لأنّه يكون قد سجد قبل دخول وقت السّجود فلا يصحّ ، كما لا تصحّ الصّلاة قبل دخول وقتها .
واختلف الحنفيّة فيما يجب به سجود التّلاوة ، فقال الحصكفيّ: يجب سجود التّلاوة بسبب تلاوة آية ، أي أكثرها مع حرف السّجدة .
وعقّب ابن عابدين على ذلك بقوله: هذا خلاف الصّحيح الّذي جزم به في نور الإيضاح .
الكفّ عن مفسدات الصّلاة:
5 -يشترط لصحّة سجود التّلاوة الكفّ عن كلّ ما يفسد الصّلاة من قول أو فعل ، لأنّ سجود التّلاوة صلاة أو في معنى الصّلاة .
واشترط بعض الفقهاء شروطًا أخرى لصحّة سجود التّلاوة ، منها: ما اشترطه الشّافعيّة من كون القراءة مقصودةً ومشروعةً ، وعدم الفصل الطّويل بين قراءة آخر آية السّجدة والسّجود .
ومن ذلك ما ذهب إليه الحنابلة من أنّه يشترط لسجود المستمع أن يكون التّالي ممّن يصلح أن يكون إمامًا له ، وأن يسجد التّالي .
مواضع سجود التّلاوة:
6 -مواضع سجود التّلاوة في القرآن الكريم خمسة عشر ، بعضها متّفق عليه ، وبعضها مختلف فيه ، وقيل ستّ عشرة بزيادة سجدة عند آية الحجر: { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ } . خلافًا لجماهير العلماء .
مواضع السّجود المتّفق عليها:
7 -اتّفق الفقهاء على سجود التّلاوة في عشرة مواضع من القرآن الكريم .
1 -سورة الأعراف: وهي آخر آية فيها { ... وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ } .
2 -سورة الرّعد: عند قول اللّه تعالى: { ... وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ } من الآية الخامسة عشر .
3 -سورة النّحل عند قول اللّه تعالى: { ... وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } من الآية الخمسين .
4 -سورة الإسراء: عند قول اللّه تعالى: { ... وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا } من الآية التّاسعة بعد المائة .
5-سورة مريم: عند قول اللّه تعالى: { ... خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا } من الآية الثّامنة والخمسين .
6-سورة الحجّ: عند قول اللّه تعالى: { ... إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء } من الآية الثّامنة عشر.
7-سورة النّمل: عند قول اللّه تعالى: { ... رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } من الآية السّابعة والعشرين .
8-سورة السّجدة { الم تَنْزِيلُ ... } عند قول اللّه تعالى: { وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } من الآية الخامسة عشر .
9-سورة الفرقان: عند قول اللّه تعالى: { ... وَزَادَهُمْ نُفُورًا } من الآية السّتّين .
10 -سورة حم السّجدة"فصّلت". عند قول اللّه تعالى: { ... وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ } من الآية الثّامنة والثّلاثين .
هذا على ما ذهب إليه الجمهور لفعل ابن عبّاس رضي الله عنهما ، وقيل: إنّ السّجود يكون عند قوله تعالى: { إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } عند تمّام الآية السّابعة والثّلاثين ، وهو المشهور عند المالكيّة .
مواضع السّجود المختلف فيها:
اختلف الفقهاء في سجود التّلاوة عند خمسة مواضع من القرآن الكريم هي:
أ - السّجدة الثّانية في سورة الحجّ:
8 -اختلف الفقهاء في السّجود عند قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ... } إلخ .
فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ في سورة الحجّ سجدتين ، إحداهما الّتي تقدّمت في المتّفق عليه ، والأخرى عند: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا } وهي الآية السّابعة والسّبعون.
لما روي عن « عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول اللّه: فضّلت سورة الحجّ بأنّ فيها سجدتين ؟ قال: نعم ، من لم يسجدهما فلا يقرأهما » ولأنّه قول عمر وعليّ وعبد اللّه بن عمر وأبي الدّرداء وأبي موسى رضي الله عنهم ، وأبي عبد الرّحمن السّلميّ ، وأبي العالية وزرّ بن حبيش ، قال ابن قدامة: لم نعرف لهم مخالفًا في عصرهم ، وقد قال أبو إسحاق السّبيعيّ التّابعيّ الكبير: أدركت النّاس منذ سبعين سنةً يسجدون في الحجّ سجدتين ، وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: لو كنت تاركًا إحداهما لتركت الأولى ، وذلك لأنّها إخبار ، والثّانية أمر .