فهرس الكتاب

الصفحة 1223 من 2053

وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه لا سجود في هذا الموطن ، واستدلّوا بما روي عن أبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه « أنّه عدّ السّجدات الّتي سمعها من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعدّ في الحجّ سجدةً واحدةً » . وعن عبد اللّه بن عبّاس وعبد اللّه بن عمر رضي الله تعالى عنهم قالا: سجدة التّلاوة في الحجّ هي الأولى ، والثّانية سجدة الصّلاة ، ولأنّ السّجدة متى قرنت الرّكوع كانت عبارةً عن سجدة الصّلاة كما في قول اللّه تعالى: { يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ } ولعدم سجود فقهاء المدينة وقرّائهم فيها .

ب - سجدة سورة ( ص ) :

9 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى مشروعيّة السّجود للتّلاوة في سورة ( ص ) ، لكنّ الحنفيّة قالوا في الصّحيح عندهم: إنّ السّجود عند قول اللّه تعالى: { فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ } .

وقال المالكيّة: السّجود عند قول اللّه عزّ وجلّ: ... { وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ } وهو المعتمد في المذهب خلافًا لمن قال السّجود عند قول اللّه تعالى: { وَحُسْنَ مَآبٍ } ، ومن المالكيّة من اختار السّجود في الأخير في كلّ موضع مختلف فيه ليخرج من الخلاف .

واستدلّ الحنفيّة لمذهبهم ، بما روى ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سجد في ص » . وبما أخرجه أحمد عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: « رأيت رؤيا وأنا أكتب سورة ص فلمّا بلغت السّجدة رأيت الدّواة والقلم وكلّ شيء بحضرتي انقلب ساجدًا ، فقصصتها على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فلم يزل يسجد بها » .

قال الكمال بن الهمام في الاستدلال بالحديث: فأفاد أنّ الأمر صار إلى المواظبة عليها كغيرها من غير ترك .

واستدلّوا كذلك بما روي عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنّه قرأ في الصّلاة سورة ( ص ) وسجد وسجد النّاس معه ، وكان ذلك بمحضر من الصّحابة رضي الله تعالى عنهم ، ولم ينكر عليها أحد ، ولو لم تكن السّجدة واجبةً لما جاز إدخالها في الصّلاة .

وقالوا: كون سبب السّجود في حقّنا الشّكر لا ينافي الوجوب ، فكلّ الفرائض والواجبات إنّما وجبت شكرًا لتوالي النّعم ، ونحن نسجد شكرًا .

وذهب الشّافعيّة في المنصوص الّذي قطع به جمهورهم - والحنابلة - في المشهور في المذهب - إلى أنّ سجدة ( ص ) ليست من عزائم السّجود ، أي ليست من متأكّداته - فليست سجدة تلاوة ولكنّها سجدة شكر ، لما روى أبو داود عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: « قرأ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ص ، فلمّا بلغ السّجدة نزل فسجد ، وسجد النّاس معه ، فلمّا كان يوم آخر قرأها فلمّا بلغ السّجدة تشزّن النّاس للسّجود - أي تأهّبوا له - فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: إنّما هي توبة نبيّ ، ولكنّي رأيتكم تشزّنتم للسّجود فنزل فسجد وسجدوا » ، وروى النّسائيّ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سجد في ص وقال: سجدها داود توبةً ، ونسجدها شكرًا » . وروى البخاريّ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: ( ص ) ليست من عزائم السّجود .

وقالوا: إذا قرأ ( ص ) من غير الصّلاة استحبّ أن يسجد لحديث أبي سعيد وابن عبّاس رضي الله تعالى عنهم ، وإن قرأها في الصّلاة ينبغي ألاّ يسجد ، فإن خالف وسجد ناسيًا أو جاهلًا لم تبطل صلاته وسجد للسّهو ، وإن سجدها عامدًا عالمًا بتحريمها في الصّلاة بطلت صلاته على الأصحّ من الوجهين ، لأنّها سجدة شكر ، فبطلت بها الصّلاة كالسّجود في الصّلاة عند تجدّد نعمة ، ومقابل الأصحّ: لا تبطل لأنّها تتعلّق بالتّلاوة فهي كسائر سجدات التّلاوة ، ولو سجد إمامه في ( ص ) لكونه يعتقدها فثلاثة أوجه أصحّها: لا يتابعه بل إن شاء نوى مفارقته لأنّه معذور ، وإن شاء ينتظره قائمًا كما لو قام إلى خامسة ، فإن انتظره لم يسجد للسّهو لأنّ المأموم لا سهو عليه ، والثّاني: لا يتابعه أيضًا ، وهو مخيّر في المفارقة والانتظار ، فإن انتظره سجد للسّهو بعد سلام الإمام ، لأنّه يعتقد أنّ إمامه زاد في صلاته جاهلًا ، وإنّ لسجود السّهو توجّهًا عليهما فإذا أخلّ به الإمام سجد المأموم ، والثّالث: يتابعه في سجوده في ( ص ) لتأكّد متابعة الإمام .

ومقابل المنصوص الّذي قطع به جمهور الشّافعيّة ومقابل المشهور في المذهب عند الحنابلة أنّ سجدة ( ص ) سجدة تلاوة من عزائم السّجود ، وهو قول أبي العبّاس بن سريج وأبي إسحاق المروزيّ من الشّافعيّة ، والرّواية الثّانية عن أحمد ، يسجد من تلاها أو سمعها وذلك لما رواه أبو موسى وأبو سعيد وعبد اللّه بن عبّاس رضي الله تعالى عنهم: « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سجد فيها » .

وينظر حكم السّجود في الصّلاة من آية السّجدة في سورة ( ص ) في بحث: ( سجود الشّكر) .

ج - سجدات المفصّل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت