10 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ في المفصّل ثلاث سجدات - المفصّل من أوّل سورة ( ق) إلى آخر المصحف - أحدها في آخر النّجم ، والثّانية في الآية الحادية والعشرين من سورة الانشقاق ، والثّالثة في آخر سورة العلق ، لما روي عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدةً منها ثلاث في المفصّل » . ولما روى أبو رافع قال: « صلّيت خلف أبي هريرة العتمة فقرأ { إذا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ } فسجد ، فقلت: ما هذه السّجدة ؟ فقال: سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجد فيها حتّى ألقاه » . وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: « سجد نافع مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في { إذا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ } و { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ } » وعن عبد اللّه بن مسعود رضي الله تعالى عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النّجم فسجد بها ، وما بقي أحد من القوم إلاّ سجد » .
ولأنّ آية سورة النّجم: { فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا } وآية آخر سورة العلق: { كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } وكلتا الآيتين أمر بالسّجود .
ومشهور مذهب مالك أنّه لا سجود في شيء من المفصّل ، واستدلّوا بما روى زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: « قرأت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم النّجم فلم يسجد » وبما روي عن ابن عبّاس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم قالا: ليس في المفصّل سجدة ، وبما أخرج ابن ماجه عن أبي الدّرداء رضي الله تعالى عنه قال: « سجدت مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدةً ليس فيها من المفصّل شيء: الأعراف ، والرّعد ، والنّحل ، وبني إسرائيل ، ومريم ، والحجّ ، وسجدة الفرقان ، وسورة النّمل ، والسّجدة ، وفي ص وسجدة الحواميم » ، ولعمل أهل المدينة لعدم سجود فقهائها وقرّائها في النّجم والانشقاق . والمعتمد عند المالكيّة أنّ المصلّي إذا سجد للتّلاوة في ثانية الحجّ أو في سجدات المفصّل لم تبطل صلاته للخلاف فيها ، وقيل: تبطل صلاته إلاّ أن يكون مقتديًا بمن يسجدها فيسجد معه، فإن ترك اتّباعه أساء وصحّت صلاته ، ولو سجد دون إمامه بطلت صلاته .
ونقل الزّرقانيّ اتّجاهات المالكيّة في اعتبار الخلاف في مشروعيّة السّجود في ثانية الحجّ وسجدات المفصّل الثّلاث حقيقيًّا أو غير حقيقيّ ، فقال: جمهور المتأخّرين على أنّ هذا الخلاف حقيقيّ وهو ظاهر المصنّف خليل - وعليه فيمنع أن يسجدها في الصّلاة ، قال سند: لأنّه يزيد فيها فعلًا تبطل بمثله ، وسمّيت الإحدى عشرة عزائم مبالغةً في فعل السّجود مخافة أن تترك . وقيل: إنّ الخلاف غير حقيقيّ والسّجود في جميعها ، إلاّ أنّه في الإحدى عشرة آكد ، ويشهد له قول الموطّأ: عزائم السّجود إحدى عشرة أي المتأكّد منها .
كيفيّة سجود التّلاوة:
11 -اتّفق الفقهاء على أنّ سجود التّلاوة يحصل بسجدة واحدة ، وذهب جمهورهم إلى أنّ السّجدة للتّلاوة تكون بين تكبيرتين ، وأنّه يشترط فيها ويستحبّ لها ما يشترط ويستحبّ لسجدة الصّلاة من كشف الجبهة والمباشرة بها باليدين والرّكبتين والقدمين والأنف ، ومجافاة المرفقين من الجنبين والبطن عن الفخذين ، ورفع السّاجد أسافله عن أعاليه وتوجيه أصابعه إلى القبلة ، وغير ذلك .
لكنّهم اختلفوا في تفصيل كيفيّة أداء السّجود للتّلاوة اختلافًا يحسن معه إفراد أقوال كلّ مذهب ببيان:
ذهب الحنفيّة إلى أنّ ركن سجدة التّلاوة السّجود أو بدله ممّا يقوم مقامه كركوع مصلّ وإيماء مريض وراكب .
وقالوا: إنّ سجود التّلاوة سجدة بين تكبيرتين مسنونتين جهرًا ، واستحبّوا له الخرور له من قيام ، فمن أراد السّجود كبّر ولم يرفع يديه وسجد ثمّ كبّر ورفع رأسه اعتبارًا بسجدة الصّلاة، لما روي عن عبد اللّه بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنّه قال للتّالي: إذا قرأت سجدةً فكبّر واسجد وإذا رفعت رأسك فكبّر ، والتّكبيرتان عند الهويّ للسّجود وعند الرّفع منه مندوبتان لا واجبتان ، فلا يرفع السّاجد فيهما يديه ، لأنّ الرّفع للتّحريم ، ولا تحريم لسجود التّلاوة ، وقد اشترطت التّحريمة في الصّلاة لتوحيد الأفعال المختلفة فيها من قيام وقراءة وركوع وسجود ، وبالتّحريمة صارت فعلًا واحدًا ، وأمّا سجدة التّلاوة فماهيّتها فعل واحد فاستغنت عن التّحريمة ، ولأنّ السّجود وجب تعظيمًا للّه تعالى وخضوعًا له عزّ وجلّ . وتؤدّى سجدة التّلاوة - عند الحنفيّة - في الصّلاة بسجود أو ركوع غير ركوع الصّلاة وسجودها ، وتؤدّى بركوع الصّلاة إذا كان الرّكوع على الفور من قراءة آية أو آيتين وكذا الثّلاث على الظّاهر ، وكان المصلّي قد نوى كون الرّكوع لسجود التّلاوة على الرّاجح ، وتؤدّى بسجود الصّلاة على الفور وإن لم ينو ، ولو نواها الإمام في ركوعه ولم ينوها المؤتمّ لم تجزه ، ويسجد إذا سلّم الإمام ويعيد القعدة ، ولو تركها فسدت صلاته ، وذلك في الجهريّة ، والأصل في أدائها السّجود ، وهو أفضل ، ولو ركع المصلّي لها على الفور جاز ، وإن فات الفور لا يصحّ أن يركع لها ولو في حرمة الصّلاة ، فلا بدّ لها من سجود خاصّ بها ما دام في حرمة الصّلاة ، لأنّ سجدة التّلاوة صارت دينًا والدّين يقضى بما له لا بما عليه ، والرّكوع والسّجود عليه فلا يتأدّى به الدّين ، وإذا سجد للتّلاوة أو ركع لها على حدة فورًا يعود إلى القيام ، ويستحبّ أن لا يعقبه بالرّكوع بل يقرأ بعد قيامه آيتين أو ثلاثًا فصاعدًا ثمّ يركع ، وإن كانت السّجدة من آخر السّورة يقرأ من سورة أخرى ثمّ يركع .