فهرس الكتاب

الصفحة 1225 من 2053

أمّا في خارج الصّلاة فلا يجزئ الرّكوع عن سجود التّلاوة لا قياسًا ولا استحسانًا كما في البدائع ، وهو المرويّ في الظّاهر .

وذهب المالكيّة إلى أنّ سجدة التّلاوة شابهت الصّلاة ، ولذا شرط لها ما شرط للصّلاة من الطّهارة وغيرها ، وشابهت القراءة لأنّها من توابعها ، ولذا تؤدّى - كالقراءة - بلا إحرام ، أي بغير تكبير للإحرام مع رفع اليدين عنده زيادةً على التّكبير للهويّ والرّفع ، وبلا سلام على المشهور .

وعدم مشروعيّة التّسليم في سجدة التّلاوة لا يعني عدم النّيّة لها ، لأنّ سجدة التّلاوة صلاة والنّيّة لا بدّ منها في الصّلاة بلا نزاع ، والنّيّة لسجدة التّلاوة هي أن ينوي أداء هذه السّنّة الّتي هي السّجدة ، قال الزّرقانيّ: ويكره الإحرام والسّلام ، لكن يبعد أو يمنع أن يتصوّر هويّه لسجدة التّلاوة من غير استحضار نيّة لتلك السّجدة .

وقالوا: وينحطّ السّاجد لسجدة التّلاوة من قيام ، ولا يجلس ليأتي بها منه ، وينزل الرّاكب ، ويكبّر لخفضه في سجوده والرّفع منه إذا كان بصلاة ، بل لو بغير صلاة ، خلافًا لمن قال: إنّ من سجد للتّلاوة بغير صلاة لا يكبّر لخفض ولا لرفع ، وقال بعض الشّرّاح: الظّاهر أنّ حكم هذا التّكبير السّنّيّة ، ويؤيّده أنّ سجدة التّلاوة في الصّلاة من جملة الصّلاة والتّكبير فيها سنّة ، وقال غيرهم: إنّه مستحبّ ، ولا يكفي عن سجدة التّلاوة - عندهم - ركوع ، أي لا يجعل الرّكوع بدلها أو عوضًا عنها ، سواء أكان في صلاة أم لا .

وإن ترك سجدة التّلاوة عمدًا وقصد الرّكوع الرّكنيّ صحّ ركوعه وكره له ذلك ، وإن تركها سهوًا عنها وركع قاصدًا الرّكوع من أوّل الأمر فذكرها وهو راكع اعتدّ بركوعه فيمضي عليه ويرفع لركعته عند مالك من رواية أشهب ، لا عند ابن القاسم فيخرّ ساجدًا ، ثمّ يقوم فيقرأ شيئًا ويركع ، ويسجد بعد السّلام إن كان قد اطمأنّ بركوعه الّذي تذكّر فيه تركها لزيادة الرّكوع .

وقال الشّافعيّة: السّاجد للتّلاوة إمّا أن يكون في الصّلاة أو في غير الصّلاة:

أ - في الصّلاة:

من أراد السّجود للتّلاوة وهو في الصّلاة ، إمامًا كان أو منفردًا أو مأمومًا ، نوى السّجود بالقلب من غير تلفّظ ولا تكبير للافتتاح لأنّه متحرّم بالصّلاة ، فإن تلفّظ بالنّيّة بطلت صلاته كما لو كبّر بقصد الإحرام ، والنّيّة واجبة في حقّ الإمام والمنفرد ومندوبة في حقّ المأموم لحديث: « إنّما الأعمال بالنّيّات » .

وقال ابن الرّفعة والخطيب"لعلّه الشّربينيّ": لا يحتاج في هذا السّجود إلى نيّة ، لأنّ نيّة الصّلاة تنسحب عليه وتشمله بواسطة شمولها للقراءة .

ويستحبّ له أن يكبّر في الهويّ إلى السّجود ولا يرفع اليد ، لأنّ اليد لا ترفع في الهويّ إلى السّجود في الصّلاة ، ويكبّر عند رفعه رأسه من السّجود كما يفعل في سجدات الصّلاة .

وإذا رفع رأسه من السّجود قام ولا يجلس للاستراحة ، فإذا قام استحبّ أن يقرأ شيئًا ثمّ يركع ، فإن انتصب قائمًا ثمّ ركع بلا قراءة جاز إذا كان قد قرأ الفاتحة قبل سجوده ، ولا خلاف في وجوب الانتصاب قائمًا ، لأنّ الهويّ إلى الرّكوع من القيام واجب .

قال النّوويّ: وفي الإبانة والبيان وجه أنّه لو رفع من سجود التّلاوة إلى الرّكوع ولم ينتصب أجزأه الرّكوع ، وهو غلط نبّهت عليه لئلاّ يغترّ به .

ب - في غير الصّلاة:

من أراد السّجود للتّلاوة وهو في غير الصّلاة نوى السّجود ، لحديث: « إنّما الأعمال بالنّيّات» واستحبّ له التّلفّظ بالنّيّة ، ثمّ كبّر للإحرام رافعًا يديه حذو منكبيه كما يفعل في تكبيرة الإحرام في الصّلاة ، ثمّ كبّر للهويّ للسّجود بلا رفع ليديه ، وسجد سجدةً واحدةً كسجدة الصّلاة ، ورفع رأسه مكبّرًا ، وجلس وسلّم من غير تشهّد كتسليم الصّلاة .

وقالوا: أركان السّجود للتّلاوة في غير الصّلاة أربعة: النّيّة ، وتكبيرة الإحرام ، والسّجدة ، والسّلام .

وقال الحنابلة: من أراد السّجود للتّلاوة يكبّر للهويّ لا للإحرام ولو خارج الصّلاة ، خلافًا لأبي الخطّاب ، لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: « كان صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن فإذا مرّ بالسّجدة كبّر وسجد وسجدنا معه » .

وظاهره أنّه كبّر مرّةً واحدةً ، ويكبّر السّاجد للتّلاوة إذا رفع من السّجود لأنّه سجود مفرد فشرع التّكبير في ابتدائه وفي الرّفع منه كسجود السّهو وصلب الصّلاة ، ويجلس في غير الصّلاة إذا رفع رأسه من السّجود ، لأنّ السّلام يعقبه فشرع ليكون سلامه في حال جلوسه ، بخلاف ما إذا كان في الصّلاة ، ثمّ يسلّم تسليمةً واحدةً عن يمينه على الصّحيح من المذهب ، وعن أحمد أنّ التّسليم ركن .

القيام لسجود التّلاوة:

12 -اختلف الفقهاء فيما يستحبّ لمن أراد السّجود للتّلاوة في غير الصّلاة ، هل يقوم فيستوي قائمًا ثمّ يكبّر ويهوي للسّجود ، أم لا:

ذهب الحنابلة وبعض متأخّري الحنفيّة وهو وجه عند الشّافعيّة إلى أنّه يستحبّ لمن أراد السّجود أن يقوم فيستوي ثمّ يكبّر ويخرّ ساجدًا ، لأنّ الخرور سقوط من قيام ، والقرآن الكريم ورد به في قول اللّه تعالى: { ... إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا } .

ولما ورد عن عائشة رضي الله تعالى عنها"أنّها كانت تقرأ في المصحف ، فإذا مرّت بالسّجدة قامت فسجدت وتشبيهًا لسجدة التّلاوة بصلاة النّفل ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت