وأن يعتمد على راحتيه « لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما: إذا سجدت فاعتمد على راحتيك » .
أمّا المرأة فتضمّ بعضها إلى بعض في سجودها فتلصق بطنها بفخذيها ، ومرفقيها بجنبيها ، وتفترش ذراعيها وتنخفض ، ولا تنتصب كانتصاب الرّجال ، ولا تفرّق بين رجليها .
قال بعض العلماء: مثل المرأة في ذلك الخنثى لأنّ ذلك أستر لها ، وأحوط له .
أحكام السّجود:
اختلف الفقهاء في مسائل من أحكام السّجود منها:
وضع الرّكبتين قبل اليدين أو عكسه:
4 -ذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وجمع من علماء السّلف كالنّخعيّ وسفيان الثّوريّ وإسحاق ومسلم بن يسار وابن المنذر إلى أنّه من المستحبّ أن يضع ركبتيه ثمّ يديه ، ثمّ جبهته وأنفه ، فإن وضع يديه قبل ركبتيه أجزأه إلاّ أنّه ترك الاستحباب ، لما رواه وائل بن حجر رضي الله عنه قال: « رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه ، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه » .
وروى سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه قال: « كنّا نضع اليدين قبل الرّكبتين فأمرنا بوضع الرّكبتين قبل اليدين » وقد روى الأثرم عن أبي هريرة: « إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرك بروك الجمل » .
وذهب المالكيّة والأوزاعيّ وهو رواية عن أحمد إلى أنّه يقدّم يديه قبل ركبتيه لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير ، وليضع يديه قبل ركبتيه » .
وروي عن مالك أنّ السّاجد له أن يقدّم أيّهما شاء من غير تفضيل بينهما ، لعدم ظهور ترجيح أحد المذهبين على الآخر .
السّجود على اليدين والرّكبتين والقدمين:
5 -ذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفيّة والمالكيّة وأحد القولين لدى الشّافعيّة ورواية عن أحمد إلى أنّه لا يجب على السّاجد وضع يديه وركبتيه وقدميه ، وإنّما الواجب عليه هو السّجود على الجبهة - وهي من مستدير ما بين الحاجبين إلى النّاصية - لأنّ الأمر بالسّجود ورد مطلقًا من غير تعيين عضو ، ثمّ انعقد الإجماع على تعيين بعض الوجه ، فلا يجوز تعيين غيره - زاد الحنفيّة - ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب - وهو هنا قوله تعالى: { أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا } - بخبر الواحد ، ولقوله تعالى: { سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ } ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: « إذا سجدت فمكّن جبهتك » فإفرادها بالذّكر دليل على مخالفتها لغيرها من الأعضاء الأخرى ، ولأنّ المقصود من السّجود وضع أشرف الأعضاء على مواطئ الأقدام ، وهو خصّيص بالجبهة ، ولأنّه لو كان وضع الأعضاء الأخرى واجبًا لوجب الإيماء بها عند العجز عن وضعها كالجبهة .
فإذا سجد على جبهته أو على شيء منها دون ما سواها من الأعضاء أجزأه ذلك .
وذهب بعض الفقهاء من الحنابلة وأحد القولين لدى الشّافعيّة وطاوس وإسحاق إلى وجوب السّجود على اليدين والرّكبتين والقدمين لما رواه ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « أمرت بالسّجود على سبعة أعظم: اليدين والرّكبتين والقدمين والجبهة » وعن ابن عمر رضي الله عنهما « أنّ اليدين يسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه ، وإذا رفعه فليرفعهما » . وقوله صلى الله عليه وسلم: « إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه وكفّاه وركبتاه وقدماه » .
ويكفي وضع جزء من كلّ واحد من هذه الأعضاء إلاّ أنّ الشّافعيّة يرون أنّ العبرة في اليدين ببطن الكفّ سواء الأصابع أو الرّاحة ، وفي القدمين ببطن الأصابع فلا تجزئ الظّهر منها ولا الحرف ، أمّا الحنابلة فيرون أنّ وضع بعض كلّ عضو من الأعضاء السّتّة المذكورة يجزئ سواء كان ظاهره أو باطنه ، لأنّ الأحاديث لم تفرّق بين باطن العضو وظاهره .
وضع الأنف على الأرض في السّجود:
6 -ذهب جمهور الفقهاء وهم المالكيّة والشّافعيّة ، وأبو يوسف ومحمّد صاحبا أبي حنيفة ، وعطاء وطاوس وعكرمة والحسن وابن سيرين وأبو ثور والثّوريّ ، وهو رواية عن أحمد ، إلى أنّه لا يجب السّجود على الأنف مع الجبهة لقوله صلى الله عليه وسلم: « أمرت أن أسجد على سبعة أعظم » . ولم يذكر الأنف فيه ، ولحديث جابر رضي الله عنه قال: « رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سجد بأعلى جبهته على قصاص الشّعر » .
وإذا سجد بأعلى جبهته لم يسجد على الأنف ، وقوله صلى الله عليه وسلم: « إذا سجدت فمكّن جبهتك من الأرض ولا تنقر نقرًا » .
ويستحبّ عند هؤلاء السّجود على الأنف مع الجبهة للأحاديث الّتي تدلّ على ذلك .
وذهب الحنابلة وهو قول عند المالكيّة وسعيد بن جبير وإسحاق والنّخعيّ وأبو خيثمة وابن أبي شيبة: إلى وجوب السّجود على الأنف مع الجبهة ، لما روى ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين والرّكبتين ، وأطراف القدمين » . وفي رواية « أمرت أن أسجد على سبعة أعظم الجبهة والأنف » . الحديث .
وعن أبي حميد « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض » .
وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « أنّه رأى رجلًا يصلّي لا يصيب أنفه الأرض فقال: لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين » .