وذهب أبو حنيفة إلى أنّه مخيّر بين السّجود ، على الجبهة وبين السّجود على الأنف ، وأنّ الواجب هو السّجود على أحدهما فلو وضع أحدهما في حالة الاختيار جاز ، غير أنّه لو وضع الجبهة وحدها جاز من غير كراهة ولو وضع الأنف وحده جاز مع الكراهة .
قال ابن المنذر: لا يحفظ أنّ أحدًا سبقه إلى هذا القول ، ولعلّه ذهب إلى أنّ الجبهة والأنف عضو واحد ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا ذكر الجبهة أشار إلى أنفه . والعضو الواحد يجزئ السّجود على بعضه .
كشف الجبهة وغيرها من أعضاء السّجود:
7 -ذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وجمع من علماء السّلف ، كعطاء وطاوس والنّخعيّ والشّعبيّ والأوزاعيّ إلى عدم وجوب كشف الجبهة واليدين والقدمين في السّجود ، ولا تجب مباشرة شيء من هذه الأعضاء بالمصلّى بل يجوز السّجود على كمّه وذيله ويده وكور عمامته وغير ذلك ممّا هو متّصل بالمصلّي في الحرّ أو في البرد ، لحديث أنس رضي الله عنه قال: « كنّا نصلّي مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في شدّة الحرّ فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكّن جبهته من الأرض يبسط ثوبه فيسجد عليه » . ولما روي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: « لقد رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في يوم مطير وهو يتّقي الطّين إذا سجد بكساء عليه يجعله دون يديه إلى الأرض إذا سجد » . وروي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « أنّه سجد على كور عمامته » .
وعن الحسن قال: كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يسجدون وأيديهم في ثيابهم ويسجد الرّجل على عمامته ، وفي رواية: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويده في كمّه .
وذهب الشّافعيّة وهو رواية عن أحمد إلى وجوب كشف الجبهة ومباشرتها بالمصلّى وعدم جواز السّجود على كمّه وذيله ويده وكور عمامته أو قلنسوته أو غير ذلك ممّا هو متّصل به ويتحرّك بحركته لقوله صلى الله عليه وسلم: « إذا سجدت فمكّن جبهتك من الأرض » الحديث ، ولما روي عن خبّاب بن الأرتّ رضي الله عنه قال: « شكونا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حرّ الرّمضاء في جباهنا وأكفّنا فلم يشكنا » وفي رواية: « فما أشكانا » .
الطّمأنينة في السّجود:
8 -الطّمأنينة في السّجود هي أن يستقرّ كلّ عضو في مكانه ، وقدّره بعض العلماء بزمن من يقول فيه:"سبحان ربّي الأعلى"مرّةً واحدةً وذلك بعد أن يهوي للسّجود مكبّرًا .
وذهب الجمهور إلى فرضيّة الطّمأنينة خلافًا لأبي حنيفة ومحمّد ، فهي ليست فرضًا بل واجب يجبر تركه بسجود السّهو . وتفصيله في ( صلاة ، وفي طمأنينة ) .
التّكبير للسّجود والتّسبيح فيه:
9 -ذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ورواية عن أحمد إلى أنّ التّكبير والتّسبيح وسائر الأذكار والأدعية الواردة في السّجود سنّة ليست بواجبة ، فلو تركها المصلّي عمدًا لم يأثم وصلاته صحيحة ، سواء تركها عمدًا أو سهوًا ، ولكن يكره تركها عمدًا لحديث المسيء صلاته حيث إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عندما علّمه فروض الصّلاة لم يعلّمه هذه الأذكار ، ولو كانت واجبةً لعلّمه إيّاها ، وتحمل الأحاديث الواردة بهذه الأذكار على الاستحباب .
وذهب الحنابلة وإسحاق إلى وجوب التّكبير والتّسبيح في السّجود فإن ترك شيئًا منها عمدًا بطلت صلاته ، وإن ترك نسيانًا لم تبطل صلاته بل يسجد للسّهو ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعله وأمر به . وأمره للوجوب ، وقال صلى الله عليه وسلم: « صلّوا كما رأيتموني أصلّي » ولما روي عنه صلى الله عليه وسلم قال: « لا تتمّ صلاة لأحد من النّاس حتّى يتوضّأ - إلى أن قال -: ثمّ يقول: اللّه أكبر ، ثمّ يسجد ، حتّى تطمئنّ مفاصله » .
وقد جرى خلاف بين الفقهاء في زيادة لفظ"وبحمده"بعد قوله:"سبحان ربّي الأعلى"، وهل قول:"سبحان ربّي الأعلى"هو المتعيّن أم للمصلّي أن يختار ما شاء من ألفاظ التّسبيح ؟ وهل من المستحبّ أن يكرّرها ثلاث مرّات أو أكثر مع اعتبار حال المصلّي إذا كان منفردًا ، أو إمامًا ، أو مأمومًا ؟ وينظر مثل هذه التّفاصيل في مصطلح: ( ركوع ) حيث إنّ التّكبير والتّسبيح في الرّكوع والسّجود حكمها واحد لا يختلف .
قال بعض الفقهاء: يستحبّ أن يقول في سجوده بعد التّسبيح: « اللّهمّ لك سجدت وبك آمنت، ولك أسلمت سجد وجهي للّذي خلقه وصوّره وشقّ سمعه وبصره تبارك اللّه أحسن الخالقين » ، كما يستحبّ الدّعاء فيه . ومن بين الأدعية الواردة: « اللّهمّ اغفر لي ذنبي كلّه دقّه وجلّه ، وأوّله وآخره ، وعلانيته وسرّه ، اللّهمّ إنّي أعوذ برضاك من سخطك ، وبعفوك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك » .
قراءة القرآن في السّجود:
10 -اتّفق الفقهاء على كراهة قراءة القرآن في السّجود ، لحديث عليّ رضي الله عنه قال: « نهاني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد » .
وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: ألا وإنّي نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا ، فأمّا الرّكوع فعظّموا فيه الرّبّ ، وأمّا السّجود فاجتهدوا في الدّعاء ، فقمن أن يستجاب لكم » .
فإن قرأ غير الفاتحة في السّجود لم تبطل صلاته ، وإن قرأ الفاتحة فالجمهور على أنّها لا تبطل كذلك .
وفي وجه عند الشّافعيّة أنّها تبطل ، لأنّه نقل ركنًا إلى غير موضعه كما لو ركع أو سجد في غير موضعه .
وسجود التّلاوة ، وسجود السّهو ، سجود الشّكر تفاصيلها في مصطلحاتها .
ثانيًا: السّجود لغير اللّه: