وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « نضّر اللّه امرأً سمع منّا حديثًا فحفظه حتّى يبلّغه غيره ، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه وربّ حامل فقه ليس بفقيه » .
وفي رواية ثانية للتّرمذيّ عن ابن مسعود قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: « نضّر اللّه امرأً سمع منّا شيئًا فبلَّغه كما سمع فربّ مبلّغ أوعى من سامع » .
وحثّ عليه الصلاة والسلام على اعتماد هذا الطّريق أخذًا وعطاءً فقال: فيما رواه عنه ابن عبّاس: « تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممّن سمع منكم » .
ولا يخفى أنّ في الحديثين إشارةً إلى أنّه يراد للعلم الاستماع والإنصات والحفظ والعمل والنّشر .
وقد نصّ العلماء على اعتبار التّمييز في سماع الحديث فإن فهم الخطاب وردّ الجواب كان مميّزًا صحيح السّماع وإلاّ فلا ، وهو رأي أغلب أهل العلم منهم موسى بن هارون وأحمد بن حنبل .
ونقل القاضي عياض أنّ أهل الصّنعة حدّدوا أوّل زمن يصحّ فيه السّماع بخمس سنين ، وعلى هذا استقرّ العمل . اعتمادًا على ما رواه البخاريّ ومسلم عن محمود بن الرّبيع قال: « عقلت من النّبيّ صلى الله عليه وسلم مجَّةً مجَّها في وجهي من دلو من بئر كانت في دارنا وأنا ابن خمس سنين » . ولعلّهم رأوا هذا التّحديد بناءً على أنّه أدنى ما يحصل فيه ضبط ما يسمع وإلاّ فمردّ ذلك للعادة وحدها إذ الأمر يختلف باختلاف استعداد الأشخاص للأخذ والتّلقّي كما يختلف باختلاف طرق التّحمّل ، وهي أنواع كثيرة ضبطها أهل الرّواية في ثمانية أقسام أوّلها: سماع الحديث من لفظ الشّيخ وهو أرفع الأقسام عند جمهور أهل العلم وأدناها الوجادة .
أمّا السّنّ الّذي يستحبّ فيه أن يبتدئ الطّالب لسماع الحديث فقيل ثلاثون سنةً وقيل عشرون، وعليه قبل الشّروع في سماع الحديث أن يتخلّق بأخلاق أهله وأن يلتزم بزيّهم ويتأدّب بأدبهم وأن يلزم الوقار والسّكينة والمواظبة في طلبه وإخلاص النّيّة فيه والتّواضع لمن يأخذ عنه والصّبر على ما يلقاه في سبيله ونحو هذا ممّا يساعد على الاستفادة والإفادة وييسّر التّحمّل والتّحميل .
سماع اللّغو:
18 -اللّغو من الكلام: - ما لا يعتدّ به إمّا لأنّه يورد ارتجالًا عن غير رويّة ودون تثبّت وتفكير فيجري مجرى اللّغا الّذي يطلق على صوت العصافير ونحوها من الطّيور .
وإمّا لأنّه يورد في غير موضعه فيخرجه ذلك عن الصّواب كمن قال لصاحبه: أنصت والإمام يخطب . أو كمن دعا لأهل الدّنيا في خطبة الجمعة .
وقد يطلق اللّغو على كلّ كلام قبيح باطل، كالخوض في المعاصي ، والسّبّ ، والشّتم ، والرّفث ، وما إليها . قال اللّه تعالى - في صفة المؤمنين -: { وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } . أي: كنّوا عن القبيح ، وتعفّفوا عن التّصريح به ، وقيل معناه: إذا صادفوا أهل اللّغو لم يخوضوا معهم في باطلهم أو في سقط كلامهم .
وما دام اللّغو بهذا المعنى الّذي لا يجلب نفعًا ، ولا يدفع إثمًا ، ولا يتّصل بقصد صحيح ، فإنّ سماعه كالخوض فيه لا يخرج حكمه عن الحظر والكراهة ، تبعًا لشدّة اتّصاله بالمفاسد ، وانفكاكه عنها .
والمؤمنون مطالبون بالإعراض عنه ، والإحجام عن سماعه ، والخوض فيه إطلاقًا لأنّه ليس من أخلاقهم ولا يتناسب - في أقلّ صوره - مع جدّهم وكمال نفوسهم .
قال اللّه تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ } .
وقال جلّ ذكره - في صفتهم -: { وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } . وقال: { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } .