ومن شكّ هل طلّق ثلاثًا أم اثنتين ؟ ألزمه مالك الطّلقة المشكوك فيها خلافًا للشّافعيّ وسيأتي تفصيله .
الشّكّ لا يزيل اليقين ، أو"اليقين لا يزول بالشّكّ"أو"لا شكّ مع اليقين":
8 -هذه القاعدة - على اختلاف تراكيبها - من أمّهات القواعد الّتي عليها مدار الأحكام الفقهيّة وقد قيل: إنّها تدخل في جميع أبواب الفقه ، والمسائل المخرّجة عنها من عبادات ومعاملات تبلغ ثلاثة أرباع علم الفقه .
الشّكّ في الميراث:
9 -الميراث استحقاق وكلّ استحقاق لا يثبت إلاّ بثبوت أسبابه وتوفّر شروطه وانتفاء موانعه ، وهذه لا تثبت إلاّ بيقين ، فلا يتصوّر مثلًا ثبوت الاستحقاق بالشّكّ في طريقه وبالتّالي لا يتصوّر ثبوت الميراث بالشّكّ .
الشّكّ في الأركان:
10 -أركان الشّيء هي أجزاء ماهيّته الّتي يتكوّن منها ، وهي الّتي تتوقّف صحّتها على توفّر شروطها .
وأركان أيّ عبادة من العبادات يراد بها فرائضها الّتي لا بدّ منها إذ لا فرق بين الرّكن والفرض إلاّ في الحجّ حيث تتميّز الأركان فيه على الواجبات والفروض بعدم جبرها بالدّم .
فمن شكّ في ركن من أركان العبادة أو في فرض من فرائضها ، هل أتى به أم لا ؟ فإنّه يبني على اليقين المحقّق عنده ، ويأتي بما شكّ فيه ، ويسجد بعد السّلام سجدتين لاحتمال أن يكون قد فعل ما شكّ فيه ، فيكون ما أتى به بعد ذلك محض زيادة ، وقال ابن لبابة: يسجد قبل السّلام ، وفي غلبة الظّنّ هنا قولان داخل المذهب المالكيّ: منهم من اعتبرها كالشّكّ ومنهم من اعتبرها كاليقين .
وفيما تقدّم يقول الشّيخ ابن عاشر - صاحب المرشد المعين -:
من شكّ في ركن بنى على اليقين
وليسجدوا البعديّ لكن قد يبين .
قال الشّيخ محمّد بن أحمد ميّارة: ويقيّد كلام صاحب هذا النّظم بغير الموسوس أو كالمستنكح لأنّ هذا لا يعتدّ بما شكّ فيه ، وشكّه كالعدم ويسجد بعد السّلام ، فإذا شكّ هل صلّى ثلاثًا أو أربعًا بنى على الأربع وسجد بعد السّلام .
وإجمالًا فإنّ الشّكّ على قسمين:
مستنكح: أي يعتري صاحبه كثيرًا وهو كالعدم لكنّه يسجد له بعد السّلام ، وغير مستنكح: وهو الّذي يأتي بعد مدّة وحكمه وجوب البناء على اليقين ، وأنّ السّهو أيضًا على قسمين: مستنكح وغير مستنكح .
راجع مصطلح: ( سهو ) من الموسوعة الفقهيّة .
وإنّ من شكّ في جلوسه هل كان في الشّفع أو في الوتر ؟ فإنّ المنصوص لمالك أنّه يسلّم ويسجد لسهوه ، ثمّ يوتر بواحدة لاحتمال أن يكون أضاف ركعة الوتر إلى ركعتي الشّفع من غير سلام فيصير قد صلّى الشّفع ثلاثًا ، ومن هنا طولب بالسّجود بعد السّلام ، وأنّ هذه المسألة - أي مسألة الشّكّ في الرّكن - تتّفق في الحكم مع مسألة التّحقّق من الإخلال بركن ففي الأولى يلغى الشّكّ ويبنى على اليقين مع السّجود بعد السّلام ، وفي الثّانية يجبر الرّكن ويقع السّجود بعد السّلام .
وإنّ الّذي يجمع هذا كلّه هو قولهم: الشّكّ في النّقصان كتحقّقه . ولذلك قال الونشريسيّ في شرح هذه القاعدة: ومن ثمّ لو شكّ أصلّى ثلاثًا أم أربعًا ؟ أتى برابعة أو شكّ في بعض أشواط الطّواف أو السّعي أو شكّ هل أتى بالثّالثة أم لا ؟ بنى في جميع ذلك على اليقين .
وتتمّم هذه القاعدة قاعدة أخرى نصّها: الشّكّ في الزّيادة كتحقّقها . كالشّكّ في حصول التّفاضل في عقود الرّبا ، والشّكّ في عدد الطّلاق ونحو ذلك .
الشّكّ في السّبب:
11 -السّبب لغةً: هو الحبل أو الطّريق ثمّ استعير من الحبل ليدلّ على كلّ ما يتوصّل به إلى شيء ، كقوله جلّ ذكره: { وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ } أي العلائق الّتي ظنّوا أنّها ستوصّلهم إلى النّعيم ، ومنه الحديث الشّريف: » وإن كان رزقه في الأسباب « أي في طرق السّماء وأبوابها . وهو - في اصطلاح الفقهاء والأصوليّين - الأمر الّذي جعله الشّرع أمارةً لوجود الحكم وجعل انتفاءه أمارةً على عدم الحكم .
وبناءً على هذا فإنّ السّبب لا ينعقد إلاّ بجعل المشرّع له كذلك .
وحتّى يكون السّبب واضح التّأثير - بجعل اللّه - ينبغي أن يكون متيقّنًا إذ لا تأثير ولا أثر لسبب مشكوك فيه ، وذلك كالشّكّ في أسباب الميراث بأنواعها . فإنّه مانع من حصول الميراث بالفعل إذ لا ميراث مع الشّكّ في سببه كما هو مقرّر . شأنه في ذلك شأن الشّكّ في دخول وقت الظّهر أو وقت العصر ونحوهما من أسباب العبادات .
وقد خصّص القرافيّ فرقًا هامًّا ميّز فيه بين قاعدة الشّكّ في السّبب وبين قاعدة السّبب في الشّكّ، أشار في بدايته إلى أنّ هذا الموضوع قد أشكل أمره على جميع الفضلاء ، وانبنى على عدم تحريره إشكال آخر في مواضع ومسائل كثيرة حتّى خرق بعضهم الإجماع فيها .
والقول الفصل في هذا الموضوع حسب رأي القرافيّ: أنّ الشّارع شرع الأحكام وشرع لها أسبابًا وجعل من جملة ما شرعه من الأسباب الشّكّ ، فشرعه - حيث شاء - في صور عديدة: فإذا شكّ في الشّاة والميتة حرمتا معًا ، وسبب التّحريم هو الشّكّ ، وإذا شكّ في الأجنبيّة وأخته من الرّضاعة حرمتا معًا ، وسبب التّحريم هو الشّكّ ، وإذا شكّ في عين الصّلاة المنسيّة وجب عليه خمس صلوات ، وسبب وجوب الخمس هو الشّكّ ، وإذا شكّ هل تطهّر أم لا ؟ وجب الوضوء ، وسبب وجوبه هو الشّكّ ، وكذلك بقيّة النّظائر .
فالشّكّ في السّبب غير السّبب في الشّكّ: فالأوّل يمنع التّقرّب ولا يتقرّر معه حكم ، والثّاني لا يمنع التّقرّب وتتقرّر معه الأحكام كما هو الحال في النّظائر السّابقة .