ولا ندّعي أنّ صاحب الشّرع نصب الشّكّ سببًا في جميع صوره بل في بعض الصّور بحسب ما يدلّ عليه الإجماع أو النّصّ ، وقد يلغي صاحب الشّرع الشّكّ فلا يجعل فيه شيئًا: كمن شكّ هل طلّق أم لا . فلا شيء عليه ، والشّكّ لغو ، ومن شكّ في صلاته هل سها أم لا ؟ فلا شيء عليه والشّكّ لغو . فهذه صور من الشّكّ أجمع النّاس على عدم اعتباره فيها ، كما أجمعوا على اعتباره فيما تقدّم ذكره من تلك الصّور .
وقسم ثالث اختلف العلماء في نصبه سببًا: كمن شكّ هل أحدث أم لا ؟ فقد اعتبره مالك خلافًا للشّافعيّ ، ومن شكّ هل طلّق ثلاثًا أم اثنتين ؟ ألزمه مالك الطّلقة المشكوك فيها خلافًا للشّافعيّ ، ومن حلف يمينًا وشكّ ما هي ؟ ألزمه مالك جميع الأيمان .
الشّكّ في الشّرط:
12 -الشَّرَط - بفتحتين -: العلامة والجمع أشراط مثل سبب وأسباب ، ومنه أشراط السّاعة ، أي علاماتها ودلائلها .
والشّرْط - بسكون الرّاء - يجمع على شروط . تقول: شرط عليه شرطًا واشترطت عليه ، بمعنىً واحد عند أهل اللّغة .
أمّا الشّرط عند الفقهاء والأصوليّين: فهو ما جعله الشّارع مكمّلًا لأمر شرعيّ لا يتحقّق إلاّ بوجوده: كالطّهارة ، جعلها اللّه تعالى مكمّلةً للصّلاة فيما يقصد منها من تعظيمه سبحانه وتعالى إذ الوقوف بين يديه تعالى مع الطّهارة الشّاملة للبدن والثّياب والمكان أكمل في معنى الاحترام والتّعظيم ، وبهذا الوضع لا تتحقّق الصّلاة الشّرعيّة إلاّ بها ، فالشّرط بهذا الاعتبار يتوقّف عليه وجود الحكم وهو خارج عن المشروط ، ويلزم من عدمه عدم الحكم ، ولا يلزم من وجوده وجود الحكم ولا عدمه .
والشّكّ في الشّرط مانع من ترتّب المشروط ، وهو كذلك يوجب الشّكّ في المشروط . وبناءً على ذلك وجب الوضوء على من تيقّن الطّهارة وشكّ في الحدث على المشهور عند المالكيّة ، وامتنع القصاص من الأب في قتل ابنه . وامتنع الإرث بالشّكّ في موت المورّث أو حياة الوارث ، وبالشّكّ في انتفاء المانع من الميراث .
الشّكّ في المانع:
13 -المانع لغةً: الحائل .
أمّا المانع في الاصطلاح فقد عرّف بقولهم: هو ما يلزم من أجل وجوده العدم - أي عدم الحكم- ولا يلزم من أجل عدمه وجود ولا عدم . كقتل الوارث لمورّثه عمدًا وعدوانًا فإنّه يعدّ مانعًا من الميراث ، وإن تحقّق سببه وهو القرابة أو الزّوجيّة أو غيرهما .
فإذا وقع الشّكّ في المانع فهل يؤثّر ذلك في الحكم ؟ انعقد الإجماع على أنّ"الشّكّ في المانع لا أثر له"أي إنّ الشّكّ ملغىً بالإجماع . ومن ثمّ ألغي الشّكّ الحاصل في ارتداد زيد قبل وفاته أم لا؟ وصحّ الإرث منه استصحابًا للأصل الّذي هو الإسلام . كما ألغي الشّكّ في الطّلاق ، بمعنى شكّ الزّوج هل حصل منه الطّلاق أم لا ؟ وقد سبق أنّ الشّكّ هنا لا تأثير له وأنّ الواجب استصحاب العصمة الثّابتة قبل الشّكّ ، لأنّ الشّكّ هنا كان من قبيل الشّكّ في حصول المانع وهو ملغىً وسيأتي التّفريق بين هذه المسألة وبين مسألة الشّكّ في الحدث عند تناول الشّكّ في الطّهارة .
وعلى هذا النّحو أيضًا ألغي الشّكّ في العتاق والظّهار وحرمة الرّضاع وما إليها .
قال الخطّابيّ - في خصوص الرّضاع -: هو من الموانع الّتي يمنع وجودها وجود الحكم ابتداءً وانتهاءً ، فهو يمنع ابتداء النّكاح ويقطع استمراره - إذا طرأ عليه - فإذا وقع الشّكّ في حصوله لم يؤثّر بناءً على قاعدة"الشّكّ ملغىً"وقد يقال: إنّ الأحوط التّنزّه عن ذلك وقد ذكروا أنّه لا ينبغي للشّخص أن يقدم إلاّ على فرج مقطوع بحلّيّته .
الشّكّ في الطّهارة:
14 -أجمع الفقهاء على أنّ من تيقّن الحدث وشكّ في الطّهارة يجبّ عليه الوضوء ، وإعادة الصّلاة إن صلّى لأنّ الذّمّة مشغولة فلا تبرأ إلاّ بيقين ، فإن تيقّن الطّهارة وشكّ في الحدث فلا وضوء عليه عند جمهور الفقهاء لأنّ الوضوء لا ينقض بالشّكّ عندهم لحديث عبد اللّه بن زيد قال: » شكي إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم الرّجل يخيّل إليه أنّه يجد الشّيء في الصّلاة ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: لا ينصرف حتّى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا « .
وقال المالكيّة - في المشهور من المذهب -: من تيقّن الطّهارة ثمّ شكّ في الحدث فعليه الوضوء وجوبًا - وقيل: استحبابًا - لما تقرّر من أنّ الشّكّ في أحد المتقابلين يوجب الشّكّ في الآخر ، إلاّ أن يكون مستنكحًا ، وعلى هذا يحمل الحديث .
وذكر الفقهاء في هذا الباب أيضًا أنّ من تيقّن الطّهارة والحدث معًا وشكّ في السّابق منهما فعليه أن يعمل بضدّ ما قبلهما: فإن كان قبل ذلك محدثًا فهو الآن متطهّر ، لأنّه تيقّن الطّهارة بعد ذلك الحدث وشكّ في انتقاضها ، حيث لا يدري هل الحدث الثّاني قبلها أو بعدها ؟ وإن كان متطهّرًا وكان يعتاد التّجديد فهو الآن محدث لأنّه متيقّن حدثًا بعد تلك الطّهارة وشكّ في زواله حيث لا يدري هل الطّهارة الثّانية متأخّرة عنه أم لا ؟ .