قال ابن عبد البرّ: مذهب الثّوريّ وأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعيّ والشّافعيّ ومن سلك سبيله البناء على الأصل حدثًا كان أو طهارةً ، وهو قول أحمد بن حنبل ، وإسحاق وأبي ثور والطّبريّ، وقال مالك: إن عرض له ذلك كثيرًا فهو على وضوئه ، وأجمع العلماء أنّ من أيقن بالحدث وشكّ في الوضوء فإنّ شكّه لا يفيد فائدةً وأنّ عليه الوضوء فرضًا وهذا يدلّ على أنّ الشّكّ عندهم ملغىً ، وأنّ العمل عندهم على اليقين ، وهذا أصل كبير في الفقه فتدبّره وقف عليه . ومن هذا القبيل ما جاء عن الفقهاء من أنّ المرأة إذا رأت دم الحيض ولم تدر وقت حصوله فإنّ حكمها حكم من رأى منيًّا في ثوبه ولم يعلم وقت حصوله ، أي عليها أن تغتسل وتعيد الصّلاة من آخر نومة ، وهذا أقلّ الأقوال تعقيدًا وأكثرها وضوحًا .
وضابطه ما قاله ابن قدامة من أنّ حكم الحيض المشكوك فيه كحكم الحيض المتيقّن في ترك العبادات .
والمراد بالشّكّ في هذا الموضع - مطلق التّردّد - كما سبق في مفهومه عند الفقهاء سواء أكان على السّواء أم كان أحد طرفيه أرجح .
الشّكّ في الصّلاة:
أ - الشّكّ في القبلة:
15 -من شكّ في جهة الكعبة فعليه أن يسأل عنها العالمين بها من أهل المكان إن وجدوا وإلاّ فعليه بالتّحرّي والاجتهاد لما رواه عامر بن ربيعة - رضي الله تعالى عنه - قال: » كنّا مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة ، فصلّى كلّ رجل منّا على حياله فلمّا أصبحنا ذكرنا ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فنزل { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ } « . وقبلة المتحرّي - كما ورد عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه - هي جهة قصده .
والصّلاة الواحدة لجهة القصد هذه تجزئ المصلّي وتسقط عنه الطّلب لعجزه ، ويرى ابن عبد الحكم أنّ الأفضل له أن يصلّي لكلّ جهة من الجهات الأربع أخذًا بالأحوط ، وذلك إذا كان شكّه دائرًا بينها أمّا إذا انحصر شكّه في ثلاث جهات فقط مثلًا فإنّ الرّابعة لا يصلّي إليها ، وقد اختار اللّخميّ ما فضّله ابن عبد الحكم ، ولكنّ المعتمد الأوّل عند جمهور المالكيّة وغيرهم .
ب - الشّكّ في دخول الوقت:
16 -من شكّ في دخول الوقت لم يصلّ حتّى يغلب على ظنّه دخوله لأنّ الأصل عدم دخوله ، فإن صلّى مع الشّكّ فعليه الإعادة وإن وافق الوقت ، لعدم صحّة صلاته مثلما هو الأمر فيمن اشتبهت عليه القبلة فصلّى من غير اجتهاد .
ج - الشّكّ في الصّلاة الفائتة:
17 -من فاتته صلاة من يوم ما ، ولا يدري أيّ صلاة هي فعليه أن يعيد صلاة يوم وليلة حتّى يخرج من عهدة الواجب بيقين لا بشكّ .
د - الشّكّ في ركعة من ركعات الصّلاة:
18 -اختلف الفقهاء فيمن شكّ في صلاته فلم يدر أواحدةً صلّى أو اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا ؟ وقال مالك والشّافعيّ: يبني على اليقين ولا يجزئه التّحرّي ، وروي مثل ذلك عن الثّوريّ والطّبريّ ، واحتجّوا لذلك:
أوّلًا: بحديث أبي سعيد الخدريّ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: » إذا شكّ أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلّى أثلاثًا أم أربعًا ؟ فليطرح الشّكّ وليبن على ما استيقن ثمّ يسجد سجدتين قبل أن يسلّم . فإن كان صلّى خمسًا ، شفعن له صلاته ، وإن كان صلّى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشّيطان « .
وثانيًا: بالقاعدتين الفقهيّتين اللّتين في معنى الأحاديث المشار إليها وغيرها ممّا يوجب البناء على اليقين . وهما:
القاعدة الأولى:"اليقين لا يزيله الشّكّ".
والثّانية:"والشّكّ في النّقصان كتحقّقه".
وقال أبو حنيفة إذا كان الشّكّ يحدث له لأوّل مرّة بطلت صلاته ولم يتحرّ وعليه أن يستقبل صلاةً جديدةً . وإن كان الشّكّ يعتاده ويتكرّر له يبني على غالب ظنّه بحكم التّحرّي ويقعد ويتشهّد بعد كلّ ركعة يظنّها آخر صلاته لئلاّ يصير تاركًا فرض القعدة ، فإن لم يقع له ظنّ بنى على الأقلّ ، وقال الثّوريّ - في رواية عنه -: يتحرّى سواء كان ذلك أوّل مرّة أو لم يكن .
وقال الأوزاعيّ: يتحرّى ، قال: وإن نام في صلاته فلم يدر كم صلّى ؟ استأنف .
وقال اللّيث بن سعد: إن كان هذا شيئًا يلزمه ولا يزال يشكّ أجزأه سجدتا السّهو عن التّحرّي ، وعن البناء على اليقين ، وإن لم يكن شيئًا يلزمه استأنف تلك الرّكعة بسجدتيها .
وقال أحمد بن حنبل: الشّكّ على وجهين: اليقين والتّحرّي ، فمن رجع إلى اليقين ألغى الشّكّ وسجد سجدتي السّهو قبل السّلام ، وإذا رجع إلى التّحرّي سجد سجدتي السّهو بعد السّلام . ودليله حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: » إنّ أحدكم إذا قام يصلّي جاء الشّيطان فلبّس عليه حتّى لا يدري كم صلّى ، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس « .
وحجّة من قال بالتّحرّي في هذا الموضوع حديث ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: » إذا شكّ أحدكم في صلاته فليتحرّ الّذي يرى أنّه الصّواب « ثمّ - يعني - يسجد سجدتين .
الشّكّ في الزّكاة:
أ - الشّكّ في تأديتها:
19 -لو شكّ رجل في الزّكاة فلم يدر أزكّى أم لا ؟ فالواجب عليه إخراجها لأنّ العمر كلّه وقت لأدائها ، ومن هنا يظهر الفرق بين صاحب هذه الحالة وبين من شكّ في الصّلاة بعد خروج الوقت أصلّى أم لا ؟ حيث ذكروا - كما تقدّم - إعفاءه من الإعادة لأنّها مؤقّتة والزّكاة بخلافها .
ب - الشّكّ في تأدية كلّ الزّكاة أو بعضها: