5 -الْأَصْلُ امْتِنَاعُ الْإِلْزَامِ مِنْ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسَلُّطِ , وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِلْزَامُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ , إمَّا بِطَرِيقِ التَّسْخِيرِ , وَإِمَّا بِطَرِيقِ الْحُكْمِ وَالْأَمْرِ . وَقَدْ يَقَعُ الْإِلْزَامُ مِنْ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِتَسْلِيطِ اللَّهِ تَعَالَى , وَذَلِكَ بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ خَاصَّةً أَمْ عَامَّةً , وَحِينَئِذٍ قَدْ يَكُونُ الْإِلْزَامُ وَاجِبًا , فَإِنَّ الْإِمَامَ يَجِبُ عَلَيْهِ إلْزَامُ النَّاسِ بِالْأَخْذِ بِشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ , وَلَهُ سُلْطَةُ إلْزَامِهِمْ بِالْقُوَّةِ وَحَمْلِهِمْ عَلَى فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ . وَلَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ , ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ , ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ , ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ } . وَقَدْ قَاتَلَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله تعالى عنه مَانِعِي الزَّكَاةِ . وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ دُيُونِ وَغَيْرِهَا أُخِذَتْ مِنْهُ جَبْرًا إذَا أَمْكَنَ , وَيُحْبَسُ بِهَا إذَا تَعَذَّرَتْ , إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْسِرًا فَيُنْظَرَ إلَى مَيْسَرَتِهِ . بَلْ إنَّ الشَّعَائِرَ الَّتِي لَيْسَتْ بِفَرْضٍ , فَإِنَّ لِلْإِمَامِ إلْزَامَ النَّاسِ بِهَا كَمَا إذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِ الْأَذَانِ , فَإِنَّ الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ يُقَاتِلُهُمْ , لِأَنَّهُ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ . وَكَذَلِكَ الْقَاضِي وَالْمُحْتَسِبُ لَهُمْ هَذَا الْحَقُّ فِيمَا وُكِّلَ إلَيْهِمْ . وَقَدْ يَكُونُ الْإِلْزَامُ حَرَامًا , وَذَلِكَ فِي الْأَمْرِ بِالظُّلْمِ , لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: { لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ } , وَعَلَى ذَلِكَ فَمَنْ أَمَرَهُ الْوَالِي بِقَتْلِ رَجُلٍ ظُلْمًا أَوْ قَطْعِهِ أَوْ جَلْدِهِ أَوْ أَخْذِ مَالِهِ أَوْ بَيْعِ مَتَاعِهِ فَلَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . وَقَدْ يَكُونُ الْإِلْزَامُ جَائِزًا كَإِلْزَامِ الْوَالِي بَعْضَ النَّاسِ بِالْمُبَاحَاتِ لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا , وَإِلْزَامِ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ مُبَاحٍ . وَقَدْ يَكُونُ الْإِلْزَامُ مُسْتَحَبًّا , وَذَلِكَ عِنْدَمَا يَكُونُ مَوْضُوعُهُ مُسْتَحَبًّا , كَإِلْزَامِ الْإِمَامِ رَعِيَّتَهُ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ فِي الْمَسَاجِدِ .
بِدْعَةٌ التَّعْرِيفُ: