1 -الْبِدْعَةُ لُغَةً: مِنْ بَدَعَ الشَّيْءَ يَبْدَعُهُ بِدْعًا , وَابْتَدَعَهُ: إذَا أَنْشَأَهُ وَبَدَأَهُ . وَالْبِدْعُ: الشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ أَوَّلًا , وَمِنْهُ قوله تعالى: { قُلْ: مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ } أَيْ لَسْتُ بِأَوَّلِ رَسُولٍ بُعِثَ إلَى النَّاسِ , بَلْ قَدْ جَاءَتْ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلُ , فَمَا أَنَا بِالْأَمْرِ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ حَتَّى تَسْتَنْكِرُونِي . وَالْبِدْعَةُ: الْحَدَثُ , وَمَا اُبْتُدِعَ فِي الدِّينِ بَعْدَ الْإِكْمَالِ . وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ: الْمُبْتَدِعُ الَّذِي يَأْتِي أَمْرًا عَلَى شَبَهٍ لَمْ يَكُنْ , بَلْ ابْتَدَأَهُ هُوَ . وَأَبْدَعَ وَابْتَدَعَ وَتَبَدَّعَ: أَتَى بِبِدْعَةٍ , وَمِنْهُ قوله تعالى: { وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ } وَبَدَّعَهُ: نَسَبَهُ إلَى الْبِدْعَةِ , وَالْبَدِيعُ: الْمُحْدَثُ الْعَجِيبُ , وَأَبْدَعْت الشَّيْءَ: اخْتَرَعْته لَا عَلَى مِثَالٍ , وَالْبَدِيعُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى , وَمَعْنَاهُ: الْمُبْدِعُ , لِإِبْدَاعِهِ الْأَشْيَاءَ وَإِحْدَاثِهِ إيَّاهَا . أَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ , فَقَدْ تَعَدَّدَتْ تَعْرِيفَاتُ الْبِدْعَةِ وَتَنَوَّعَتْ ; لِاخْتِلَافِ أَنْظَارِ الْعُلَمَاءِ فِي مَفْهُومِهَا وَمَدْلُولِهَا . فَمِنْهُمْ مَنْ وَسَّعَ مَدْلُولَهَا , حَتَّى أَطْلَقَهَا عَلَى كُلِّ مُسْتَحْدَثٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ , وَمِنْهُمْ مَنْ ضَيَّقَ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ , فَتَقَلَّصَ بِذَلِكَ مَا يَنْدَرِجُ تَحْتَهَا مِنْ الْأَحْكَامِ . وَسَنُوجِزُ هَذَا فِي اتِّجَاهَيْنِ . الِاتِّجَاهُ الْأَوَّلُ: 2 - أَطْلَقَ أَصْحَابُ الِاتِّجَاهِ الْأَوَّلِ الْبِدْعَةَ عَلَى كُلِّ حَادِثٍ لَمْ يُوجَدْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الْعِبَادَاتِ أَمْ الْعَادَاتِ , وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَذْمُومًا أَمْ غَيْرَ مَذْمُومٍ . وَمِنْ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ , وَمِنْ أَتْبَاعِهِ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ , وَالنَّوَوِيُّ , وَأَبُو شَامَةَ . وَمِنْ الْمَالِكِيَّةِ: الْقَرَافِيُّ , وَالزَّرْقَانِيُّ . وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ: ابْنُ عَابِدِينَ . وَمِنْ الْحَنَابِلَةِ: ابْنُ الْجَوْزِيِّ . وَمِنْ الظَّاهِرِيَّةِ: ابْنُ حَزْمٍ . وَيَتَمَثَّلُ هَذَا الِاتِّجَاهُ فِي تَعْرِيفِ الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لِلْبِدْعَةِ وَهُوَ: أَنَّهَا فِعْلُ مَا لَمْ يُعْهَدْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم . وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إلَى بِدْعَةٍ وَاجِبَةٍ , وَبِدْعَةٍ مُحَرَّمَةٍ , وَبِدْعَةٍ مَنْدُوبَةٍ , وَبِدْعَةٍ مَكْرُوهَةٍ , وَبِدْعَةٍ مُبَاحَةٍ . وَضَرَبُوا لِذَلِكَ أَمْثِلَةً: فَالْبِدْعَةُ الْوَاجِبَةُ: كَالِاشْتِغَالِ بِعِلْمِ النَّحْوِ الَّذِي يُفْهَمُ بِهِ كَلَامُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ , وَذَلِكَ وَاجِبٌ ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِحِفْظِ الشَّرِيعَةِ , وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ . وَالْبِدْعَةُ الْمُحَرَّمَةُ مِنْ أَمْثِلَتِهَا: مَذْهَبُ الْقَدَرِيَّةِ , وَالْجَبْرِيَّةِ , وَالْمُرْجِئَةِ , وَالْخَوَارِجِ . وَالْبِدْعَةُ الْمَنْدُوبَةُ: مِثْلُ إحْدَاثِ الْمَدَارِسِ , وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ , وَمِنْهَا صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ بِإِمَامٍ وَاحِدٍ . وَالْبِدْعَةُ الْمَكْرُوهَةُ: مِثْلُ زَخْرَفَةِ الْمَسَاجِدِ , وَتَزْوِيقِ الْمَصَاحِفِ . وَالْبِدْعَةُ الْمُبَاحَةُ: مِثْلُ الْمُصَافَحَةِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ , وَمِنْهَا التَّوَسُّعُ فِي اللَّذِيذِ مِنْ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ . وَاسْتَدَلُّوا لِرَأْيِهِمْ فِي تَقْسِيمِ الْبِدْعَةِ إلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا: ( أ ) قَوْلُ عُمَرَ رضي الله عنه فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ فِي رَمَضَانَ نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هَذِهِ . فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيّ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْت مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إلَى الْمَسْجِدِ , فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ , يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ , وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ . فَقَالَ عُمَرُ: إنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْت هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ , ثُمَّ عَزَمَ , فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ , ثُمَّ خَرَجْت مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى , وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ , قَالَ عُمَرُ: نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ , وَاَلَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنْ الَّتِي يَقُومُونَ . يُرِيدُ آخَرَ اللَّيْلِ . وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ . ( ب ) تَسْمِيَةُ ابْنِ عُمَرَ صَلَاةِ الضُّحَى جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ بِدْعَةً , وَهِيَ مِنْ الْأُمُورِ الْحَسَنَةِ . رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: دَخَلْت أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ , فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ جَالِسٌ إلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ , وَإِذَا نَاسٌ يُصَلُّونَ فِي الْمَسْجِدِ صَلَاةَ الضُّحَى , فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلَاتِهِمْ - فَقَالَ: بِدْعَةٌ . ( ج )