الْأَحَادِيثُ الَّتِي تُفِيدُ انْقِسَامَ الْبِدْعَةِ إلَى الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ , وَمِنْهَا مَا رُوِيَ مَرْفُوعًا: { مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً , فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً , فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } الِاتِّجَاهُ الثَّانِي: 3 - اتَّجَهَ فَرِيقٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى ذَمِّ الْبِدْعَةِ , وَقَرَّرُوا أَنَّ الْبِدْعَةَ كُلَّهَا ضَلَالَةٌ , سَوَاءٌ فِي الْعَادَاتِ أَوْ الْعِبَادَاتِ . وَمِنْ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْإِمَامُ مَالِكٌ وَالشَّاطِبِيُّ وَالطُّرْطُوشِيُّ . وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ: الْإِمَامُ الشُّمُنِّيُّ , وَالْعَيْنِيُّ . وَمِنْ الشَّافِعِيَّةِ: الْبَيْهَقِيُّ , وَابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ , وَابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ . وَمِنْ الْحَنَابِلَةِ: ابْنُ رَجَبٍ , وَابْنُ تَيْمِيَّةَ . وَأَوْضَحُ تَعْرِيفٍ يُمَثِّلُ هَذَا الِاتِّجَاهَ هُوَ تَعْرِيفُ الشَّاطِبِيِّ , حَيْثُ عَرَّفَ الْبِدْعَةَ بِتَعْرِيفَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّهَا: طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ , تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ , يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ . وَهَذَا التَّعْرِيفُ لَمْ يُدْخِلْ الْعَادَاتِ فِي الْبِدْعَةِ , بَلْ خَصَّهَا بِالْعِبَادَاتِ , بِخِلَافِ الِاخْتِرَاعِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا . الثَّانِي أَنَّهَا: طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ تُضَاهِي الشَّرِيعَةَ يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا مَا يُقْصَدُ بِالطَّرِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ . وَبِهَذَا التَّعْرِيفِ تَدْخُلُ الْعَادَاتُ فِي الْبِدَعِ إذَا ضَاهَتْ الطَّرِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ , كَالنَّاذِرِ لِلصِّيَامِ قَائِمًا لَا يَقْعُدُ مُتَعَرِّضًا لِلشَّمْسِ لَا يَسْتَظِلُّ , وَالِاقْتِصَارِ فِي الْمَأْكَلِ وَالْمَلْبَسِ عَلَى صِنْفٍ دُونَ صِنْفٍ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ . وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِذَمِّ الْبِدْعَةِ مُطْلَقًا بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا: ( أ ) أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ كَمُلَتْ قَبْلَ وَفَاةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ سُبْحَانَهُ: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا } فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَجِيءَ إنْسَانٌ وَيَخْتَرِعَ فِيهَا شَيْئًا ; لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا تُعْتَبَرُ اسْتِدْرَاكًا عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . وَتُوحِي بِأَنَّ الشَّرِيعَةَ نَاقِصَةٌ , وَهَذَا يُخَالِفُ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ . ( ب ) وَرَدَتْ آيَاتٌ قُرْآنِيَّةٌ تَذُمُّ الْمُبْتَدِعَةَ فِي الْجُمْلَةِ , مِنْ ذَلِكَ قوله تعالى: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } ( ج ) كُلُّ مَا وَرَدَ مِنْ أَحَادِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْبِدْعَةِ جَاءَ بِذَمِّهَا , مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ: { وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَوْعِظَةً بَلِيغَةً , ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ , وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ . فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَا تَعْهَدُ إلَيْنَا . فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ , وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا , فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا , فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ , تَمَسَّكُوا بِهَا , وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ , وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ . فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ , وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ } ( د ) أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ , مِنْ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: دَخَلْت مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَسْجِدًا , وَقَدْ أُذِّنَ فِيهِ , وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِ , فَثَوَّبَ الْمُؤَذِّنُ , فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ الْمَسْجِدِ , وَقَالَ:"اُخْرُجْ بِنَا مِنْ عِنْدِ هَذَا الْمُبْتَدِعِ"وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ . ( الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ ) : أ - الْمُحْدَثَاتُ: 4 - الْحَدِيثُ نَقِيضُ الْقَدِيمِ , وَالْحُدُوثُ: كَوْنُ شَيْءٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ . وَمُحْدَثَاتُ الْأُمُورِ: مَا ابْتَدَعَهُ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَلَى غَيْرِهَا . وَفِي الْحَدِيثِ: { إيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ } وَالْمُحْدَثَاتُ جَمْعُ مُحْدَثَةٍ بِالْفَتْحِ , وَهِيَ: مَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ . وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى تَلْتَقِي الْمُحْدَثَاتُ مَعَ الْبِدْعَةِ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي . ب - الْفِطْرَةُ: 5 - الْفِطْرَةِ: الِابْتِدَاءُ وَالِاخْتِرَاعُ . وَفَطَرَ اللَّهُ الْخَلْقَ: خَلَقَهُمْ وَبَدَأَهُمْ , وَيُقَالُ: أَنَا فَطَرْت الشَّيْءَ أَيْ: أَوَّلُ مَنْ ابْتَدَأَهُ . وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَلْتَقِي مَعَ الْبِدْعَةِ فِي بَعْضِ