فهرس الكتاب

الصفحة 1321 من 2053

5-وفائدة الخلاف تظهر فيما لو صلّى الظّهر في بيته وحده قبل فوات الجمعة - وهو غير معذور ، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف يصحّ ظهره ويقع فرضًا ؛ لأنّه أدّى فرض الوقت الأصليّ فيجزئه .

قال السّمرقنديّ: من صلّى الظّهر في بيته وحده - وهو غير معذور - فإنّه يقع فرضًا في قول أصحابنا الثّلاثة - أبي حنيفة وصاحبيه - خلافًا لزفر فإنّ عنده لا يجوز الظّهر .

وفي المذاهب الأخرى لا تجزئه صلاة الظّهر ويلزمه حضور الجمعة ، فإن حضرها فذاك وإلاّ بأن فاتته لزمه قضاء الظّهر حينئذ . قال أبو إسحاق الشّيرازيّ في المهذّب: وأمّا من تجب عليه الجمعة ، ولا يجوز له أن يصلّي الظّهر قبل فوات الجمعة ، فإنّه مخاطب بالسّعي إلى الجمعة ، فإن صلّى الظّهر قبل صلاة الإمام ففيه قولان: قال في القديم: يجزئه ؛ لأنّ الفرض هو الظّهر ... وقال في الجديد: لا تجزئه ، ويلزمه إعادتها وهو الصّحيح .

وقال ابن قدامة في المغني: من وجبت عليه الجمعة إذا صلّى الظّهر قبل أن يصلّي الإمام الجمعة لم يصحّ ، ويلزمه السّعي إلى الجمعة إن ظنّ أنّه يدركها ؛ لأنّها المفروضة عليه .

شروط صلاة الجمعة:

6 -لصلاة الجمعة ثلاثة أنواع من الشّروط .

النّوع الأوّل: شروط للصّحّة والوجوب معًا، والثّاني: للوجوب فقط ، والثّالث: للصّحّة فقط. والفرق بين هذه الأنواع الثّلاثة من الشّروط ، أنّ ما يعتبر شرطًا لصحّة صلاة الجمعة ووجوبها معًا ، يلزم من فقده أمران اثنان: بطلانها ، وعدم تعلّق الطّلب بها .

وما يعتبر شرطًا للوجوب - فقط - يلزم من فقده عدم تعلّق الطّلب وحده ، مع ثبوت صحّة الفعل ، وما يعتبر شرطًا للصّحّة فقط يلزم من فقده البطلان مع استمرار المطالبة به .

النّوع الأوّل شروط الصّحّة والوجوب معًا وتنحصر في ثلاثة:

7 -الشّرط الأوّل: اشترطه الحنفيّة ، وهو أن يكون المكان الّذي تقام فيه"مصرًا"والمقصود بالمصر كلّ بلدة نصب فيها قاض ترفع إليه الدّعاوى والخصومات .

قال في المبسوط: وظاهر المذهب في بيان حدّ المصر الجامع: أن يكون فيه سلطان ، أو قاض لإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام .

ويلحق بالمصر ضاحيته أو فناؤه ، وضواحي المصر هي القرى المنتشرة من حوله والمتّصلة به والمعدودة من مصالحه ، بشرط أن يكون بينها وبينه من القرب ما يمكّن أهلها من حضور الجمعة ، ثمّ الرّجوع إلى منازلهم في نفس اليوم بدون تكلّف .

وعلى هذا ، فمن كانوا يقيمون في قرية نائية ، لا يكلّفون بإقامة الجمعة ، وإذا أقاموها لم تصحّ منهم . قال صاحب البدائع: المصر الجامع شرط وجوب الجمعة ، وشرط صحّة أدائها عند أصحابنا ، حتّى لا تجب الجمعة إلاّ على أهل المصر ومن كان ساكنًا في توابعه ، وكذا لا يصحّ أداء الجمعة إلاّ في المصر وتوابعه .

فلا تجب على أهل القرى الّتي ليست من توابع المصر ، ولا يصحّ أداء الجمعة فيها .

ولم تشترط المذاهب الأخرى هذا الشّرط .

فأمّا الشّافعيّة: فاكتفوا باشتراط إقامتها في خطّة أبنية سواء كانت من بلدة أو قرية ، قال صاحب المهذّب: لا تصحّ الجمعة إلاّ في أبنية يستوطنها من تنعقد بهم الجمعة من بلد أو قرية .

وأمّا الحنابلة: فلم يشترطوا ذلك أيضًا ، وصحّحوا إقامتها في الصّحاري ، وبين مضارب الخيام . قال صاحب المغني: ولا يشترط لصحّة الجمعة إقامتها في البنيان ويجوز إقامتها فيما قاربه من الصّحراء .

وأمّا المالكيّة: فإنّما شرطوا أن تقام في مكان صالح للاستيطان . فتصحّ إقامتها في الأبنية ، أو الأخصاص ؛ لصلاحها للاستيطان فيها مدّةً طويلةً . ولا تصحّ في الخِيَم لعدم صلاحيّتها لذلك في الغالب .

قال في الجواهر الزّكيّة في تعداد شروطها: موضع الاستيطان ، ولو كان بأخصاص لا خيم ، فلا تقام الجمعة إلاّ في موضع يستوطن فيه بأن يقيم فيه صيفًا وشتاءً .

8 -ويترتّب على هذا الخلاف: أنّ أصحاب القرى الّتي لا تعتبر تابعةً لمصر إلى جانبها يجب عليهم - عند غير الحنفيّة - إقامة الجمعة في أماكنهم ، ولا يكلّفون بالانتقال لها إلى أيّ بلدة كبيرة أخرى من حولهم .

أمّا في المذهب الحنفيّ: فلا يكلّفون بإقامة الجمعة في مثل هذه الحال ، وإذا أقاموها لم تصحّ منهم . ويجب عليهم الانتقال إلى البلدة المجاورة إذا سمع منها الأذان .

9 -الشّرط الثّاني: واشترطه الحنفيّة ، إذن السّلطان بذلك ، أو حضوره ، أو حضور نائب رسميّ عنه ، إذ هكذا كان شأنها على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وفي عهود الخلفاء الرّاشدين .

هذا إذا كان ثمّة إمام أو نائب عنه في البلدة الّتي تقام فيها الجمعة ، فإذا لم يوجد أحدهما ، لموت أو فتنة أو ما شابه ذلك ، وحضر وقت الجمعة كان للنّاس حينئذ أن يجتمعوا على رجل منهم ليتقدّمهم فيصلّي بهم الجمعة .

أمّا أصحاب المذاهب الأخرى فلم يشترطوا لصحّة الجمعة أو وجوبها شيئًا ممّا يتعلّق بالسّلطان ، إذنًا أو حضورًا أو إنابةً .

10 -الشّرط الثّالث من شروط صحّة الجمعة ووجوبها معًا: دخول الوقت ، ووقتها عند الجمهور - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - هو وقت الظّهر ، فلا يثبت وجوبها ، ولا يصحّ أداؤها إلاّ بدخول وقت الظّهر ، ويستمرّ وقتها إلى دخول وقت العصر ، فإذا خرج وقت الظّهر سقطت الجمعة واستبدل بها الظّهر ؛ لأنّ الجمعة صلاة لا تقضى بالتّفويت . ويشترط دخول وقت الظّهر من ابتداء الخطبة ، فلو ابتدأ الخطيب الخطبة قبله لم تصحّ الجمعة ، وإن وقعت الصّلاة داخل الوقت .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت