فهرس الكتاب

الصفحة 1322 من 2053

وذهب الحنابلة إلى أنّ أوّل وقت صلاة الجمعة هو أوّل وقت صلاة العيد لحديث عبد اللّه بن سيدان: « شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النّهار » ، ولحديث جابر: « كان يصلّي الجمعة ثمّ نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشّمس » وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر وسعد ومعاوية - رضي الله عنهم - أنّهم صلّوا قبل الزّوال ولم ينكر عليهم ، وفعلها بعد الزّوال أفضل .

النّوع الثّاني من الشّروط وهي:

شروط الوجوب فقط:

تتلخّص جملة هذه الشّروط في خمسة أمور ، وذلك بعد اعتبار الشّروط الّتي تتوقّف عليها أهليّة التّكليف بصورة عامّة ، من عقل وبلوغ:

11 -الأوّل: الإقامة بمصر: فلا تجب على مسافر . ثمّ لا فرق في الإقامة بين أن تكون على سبيل الاستيطان أو دون ذلك ، فمن تجاوزت أيّام إقامته في بلدة ما الفترة الّتي يشرع له فيها قصر الصّلاة وجبت عليه صلاة الجمعة وإلاّ فلا على التّفصيل المبيّن في ( صلاة المسافر ) .

ودليل ذلك ما رواه جابر - رضي الله عنه -: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فعليه الجمعة إلاّ مريض ، أو مسافر ، أو امرأة ، أو صبيّ ، أو مملوك ، فمن استغنى بلهو أو تجارة استغنى اللّه عنه واللّه غنيّ حميد » . قال السّرخسيّ: والمعنى: أنّ المسافر تلحقه المشقّة بدخول المصر وحضور الجمعة ، وربّما لا يجد أحدًا يحفظ رحله ، وربّما ينقطع عن أصحابه ، فلدفع الحرج أسقطها الشّرع عنه .

أمّا من كان مقيمًا في غير مصر ، كالقرى والبوادي ، فإن كان مكانه قريبًا من بلدة هناك وجب عليه الذّهاب إليها وإقامة الجمعة فيها ، وإلاّ لم تجب عليه .

والمفتى به في ضابط القرب: أن تصل أصوات المؤذّنين إلى ذلك المكان عندما يؤذّنون في أماكن مرتفعة وبأصوات عالية مع توسّط حالة الجوّ من حيث الهدوء والضّجيج .

وهذا على ما سبق بيانه في الفقرة من اشتراط الحنفيّة المصر خلافًا لغيرهم .

12 -الشّرط الثّاني: الذّكورة: فلا تجب صلاة الجمعة على النّساء .

وذكر صاحب البدائع حكمة ذلك فقال: وأمّا المرأة فلأنّها مشغولة بخدمة الزّوج ، ممنوعة من الخروج إلى محافل الرّجال ، لكون الخروج سببًا للفتنة ولهذا لا جماعة عليهنّ أيضًا .

13 -الشّرط الثّالث: الصّحّة: ويقصد بها خلوّ البدن عمّا يتعسّر معه - عرفًا - الخروج لشهود الجمعة في المسجد ، كمرض وألم شديد ؛ فلا تجب صلاة الجمعة على من اتّصف بشيء من ذلك .

وألحق بالمريض ممرّضه الّذي يقوم بأمر تمريضه وخدمته ، بشرط أن لا يوجد من يقوم مقامه في ذلك لو تركه .

14 -الشّرط الرّابع: الحرّيّة: فلا تجب على العبد المملوك ، لانشغاله بخدمة المولى .

غير أنّها تجب على المكاتب والمبعّض وتجب على الأجير ، بمعنى أنّه لا يجوز للمستأجر منعه منها ، فإذا ترك العمل لصلاتها ، وكان المسجد بعيدًا عن مكان عمله في - العرف - سقط من أجرته ما يقابل الزّمن الّذي ترك فيه العمل من أجلها بما في ذلك مدّة الصّلاة نفسها، وإلاّ لم يسقط شيء .

وهذه الشّريطة - أيضًا - محلّ اتّفاق لدى مختلف المذاهب ، ثمّ إنّ السّيّد إذا أذن لعبده في الخروج لصلاة الجمعة وجبت عليه حينئذ .

15 -الشّرط الخامس: السّلامة: والمقصود بها سلامة المصلّي من العاهات المقعدة ، أو المتعبة له في الخروج إلى صلاة الجمعة ، كالشّيخوخة المقعدة والعمى ، فإن وجد الأعمى قائدًا متبرّعًا أو بأجرة معتدلة ، وجبت عليه عند الجمهور - أبي يوسف ومحمّد والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - ؛لأنّ الأعمى بواسطة القائد يعتبر قادرًا على السّعي خلافًا لأبي حنيفة. وهناك صورتان أخريان تجب فيهما على الأعمى صلاة الجمعة:

الصّورة الأولى: أن تقام الصّلاة وهو في المسجد متطهّر متهيّئ للصّلاة .

الصّورة الثّانية: أن يكون ممّن أوتوا مهارةً في المشي في الأسواق دون الاحتياج إلى أيّ كلفة أو قيادة أو سؤال أحد . إذ لا حرج حينئذ عليه في حضور صلاة الجمعة .

ولا تجب - أيضًا - في حالة خوف من عدوّ أو سبع أو لصّ ، أو سلطان ، ولا في حالة مطر شديد ، أو وحل ، أو ثلج ، يتعسّر معها الخروج إليها . إذ لا تعتبر السّلامة متوفّرةً في مثل هذه الحالات .

16 -ثمّ إنّ مَنْ حضر صلاة الجمعة ممّن لم تتوفّر فيه هذه الشّروط الخمسة ينظر في أمره: فإن كان فاقدًا أهليّة التّكليف نفسها ، كالصّبيّ والمجنون ، صحّت صلاة الصّبيّ واعتبرت له تطوّعًا ، وبطلت صلاة المجنون ؛ لعدم توفّر الإدراك المصحّح لأصل العبادة .

أمّا إن تكاملت لديه أهليّة التّكليف ، كالمريض والمسافر والعبد والمرأة ، فمثل هؤلاء إن حضروا الجمعة وصلّوها أجزأتهم عن فرض الظّهر ؛ لأنّ امتناع الوجوب في حقّهم إنّما كان للعذر ، وقد زال بحضورهم لكن صرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّ لهم الانصراف ؛ إذ المانع من وجوبها عليهم لا يرتفع بحضورهم إلاّ المريض ونحوه كالأعمى فيحرم انصرافهما إن دخل الوقت قبل انصرافهما ؛ لأنّ المانع في حقّهما مشقّة الحضور وقد زالت .

17 -ويصحّ أن يؤمّ القوم من هؤلاء كلّ من صحّت إمامته المطلقة في باب صلاة الجماعة فتصحّ إمامة المريض والمسافر والعبد ، دون المرأة قال في تنوير الأبصار: ويصلح للإمامة فيها من صلح لغيرها ؛ فجازت لمسافر وعبد ومريض .

وأمّا صفة الّذين تنعقد بهم الجمعة فهي: أنّ كلّ من يصلح إمامًا للرّجال في الصّلوات المكتوبة تنعقد بهم الجمعة ، فيشترط صفة الذّكورة والعقل والبلوغ لا غير ، فتنعقد الجمعة بعبيد ومسافرين . وهذا عند الحنفيّة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت