ومذهب الحنابلة: أنّه لا تنعقد الجمعة بأحد من هؤلاء ، ولا تصحّ إمامته .
أمّا الشّافعيّة: فصحّحوا الإمامة من هؤلاء دون الانعقاد به . فلو أمّ المصلّين مسافر وكان عددهم لا يتجاوز مع إمامهم المسافر أربعين رجلًا ، لم تنعقد صلاتهم .
18 -فمن توفّرت فيه هذه الشّروط ، حرّم عليه صلاة الظّهر قبل فوات الجمعة ، لما في ذلك من مخالفة الأمر بإسقاط صلاة الظّهر وأداء الجمعة في مكانها . أمّا بعد فواتها عليه فلا مناص حينئذ من أداء الظّهر ، بل يجب عليه ذلك ، غير أنّه يعتبر آثمًا بسبب تفويت الجمعة بدون عذر .
فإن سعى إليها بعد أدائه الظّهر والإمام في الصّلاة بطلت صلاته الّتي كان قد أدّاها بمجرّد انفصاله عن داره واتّجاهه إليها سواء أدركها أم لا . وذلك لأنّ السّعي إلى صلاة الجمعة معدود من مقدّماتها وخصائصها المأمور بها بنصّ كتاب اللّه تعالى ، والاشتغال بفرائض الجمعة الخاصّة بها يبطل الظّهر وهذا عند أبي حنيفة ، أمّا عند الصّاحبين فلا يبطل ظهره بمجرّد السّعي ، بل لا بدّ لذلك من إدراكه الجمعة وشروعه فيها .
وقال المالكيّة والحنابلة: من وجبت عليه الجمعة إذا صلّى الظّهر قبل أن يصلّي الإمام الجمعة لم يصحّ ويلزمه السّعي إلى الجمعة إن ظنّ أنّه يدركها .
النّوع الثّالث: شروط الصّحّة فقط:
وهي أربعة شروط:
19 -الأوّل الخطبة: ويشترط تقدّمها على الصّلاة ، وهي كلّ ذكر يسمّى في عرف النّاس خطبةً ، فمتى جاء الإمام بذلك بعد دخول الوقت ، فقد تأدّى الشّرط وصحّت الخطبة ، سواء كان قائمًا ، أو قاعدًا أتى بخطبتين أو خطبة واحدة ، تلا فيها قرآنًا أم لا ، عربيّةً كانت أو عجميّةً ، إلاّ أنّها ينبغي أن تكون قبل الصّلاة ، إذ هي شرط ، وشرط الشّيء لا بدّ أن يكون سابقًا عليه وهذا عند الحنفيّة .
واشترط لها المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة خطبتين مستدلّين على ذلك بمواظبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم .
واعتبر الشّافعيّة للخطبة أركانًا خمسةً لا بدّ من توافرها وهي: حمد اللّه ، والصّلاة على رسوله ، والوصيّة بالتّقوى . وهذه الثّلاثة أركان في كلّ من الخطبتين ، والرّابع: قراءة آية من القرآن في إحداهما ، والخامس: ما يقع عليه اسم الدّعاء للمؤمّنين في الخطبة الثّانية . واشترط الحنابلة من هذه الأركان قراءة آية من القرآن . قال ابن قدامة ... قال أصحابنا: ولا يكفي في القراءة أقلّ من آية ؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقتصر على أقلّ من ذلك وما عدا ذلك مستحبّ . وتفصيله في مصطلح ( خطبة ) .
20 -الثّاني: الجماعة: قال في البدائع: ودليل شرطيّتها ، أنّ هذه الصّلاة تسمّى جمعةً ، فلا بدّ من لزوم معنى الجمعة فيها ، اعتبارًا للمعنى الّذي أخذ اللّفظ منه ... ولهذا لم يؤدّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الجمعة إلاّ جماعةً ، وعليه إجماع العلماء .
ويتعلّق ببيان كيفيّة هذا الشّرط ثلاثة أبحاث:
21 -أوّلها: حضور واحد سوى الإمام - على الصّحيح من مذهب الحنفيّة - وقيل: ثلاثة سوى الإمام ، قال في مجمع الأنهر: لأنّها أقلّ الجمع ، وقد ورد الخطاب للجمع ، وهو قوله تعالى: { فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } فإنّه يقتضي ثلاثةً سوى الخطيب ، هذا مذهب أبي حنيفة ومحمّد .
واشترط الشّافعيّة والحنابلة أن لا يقلّ المجمعون عن أربعين رجلًا تجب في حقّهم الجمعة . قال صاحب المغني: أمّا الأربعون فالمشهور في المذهب أنّه شرط لوجوب الجمعة وصحّتها ، ويشترط حضورهم الخطبتين .
وقال المالكيّة: يشترط حضور اثني عشر من أهل الجمعة .
22 -ثانيها: يجب حضور ما لا يقلّ عن هذا العدد من أوّل الخطبة .
قال في البدائع: لو نفروا قبل أن يخطب الإمام فخطب وحده ، ثمّ حضروا فصلّى بهم الجمعة لا يجوز ؛ لأنّ الجماعة كما هي شرط انعقاد الجمعة حال الشّروع في الصّلاة ، فهي شرط حال سماع الخطبة ؛ لأنّ الخطبة بمنزلة شفع من الصّلاة ، قالت عائشة - رضي الله عنها: إنّما قصرت الجمعة لأجل الخطبة ، وجاء مثله عن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد فتشترط الجماعة حال سماع الخطبة ، كما تشترط حال الشّروع في الصّلاة .
23 -ثالثها: الجماعة في صلاة الجمعة شرط أداء عند الحنفيّة ، وهو الصّحيح عند المالكيّة والشّافعيّة ، ولا يتحقّق الأداء إلاّ بوجود تمام الأركان ، وهي: القيام ، والقراءة ، والرّكوع ، والسّجود . وعلى هذا فلو تفرّقت الجماعة قبل سجود الإمام بطلت الجمعة ويستأنف الظّهر ، والجماعة شرط انعقاد عند الصّاحبين ، والانعقاد يتمّ بدخول صحيح في الصّلاة ، وعلى هذا فلو تفرّقت الجماعة عن الإمام قبل السّجود وبعد الانعقاد صحّت جمعة كلّ منهم وقد صحّح صاحب"تنوير الأبصار"ما ذهب إليه أبو حنيفة .
أمّا الحنابلة: فظاهر كلام أحمد أنّهم إن انفضّوا قبل كمالها لم يجز إتمامها جمعةً ، وقياس قول الخرقيّ أنّهم إن انفضّوا بعد ركعة أتمّوها جمعةً .
وذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ومحمّد بن الحسن إلى أنّ من أدرك مع الإمام أقلّ من ركعة ، فإنّه لا يكون مدركًا للجمعة ويصلّيها ظهرًا .
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: صلاة المقتدي صحيحة على أنّها جمعة إذا أدرك جزءًا منها مع الإمام ، وإن قلّ . قال في المبسوط: ومن أدرك الإمام في التّشهّد في الجمعة أو في سجدتي السّهو فاقتدى به فقد أدركها ويصلّيها ركعتين .