54 -لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعله وداوم على فعله وأمر به وسجد للسّهو حين نسيه . قالوا: وهذا هو الأصل المعتمد عليه في سائر الواجبات ، لسقوطها بالسّهو وانجبارها بالسّجود ، والمجزئ من التّشهّد الأوّل"التّحيّات للّه ، سلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة اللّه ، سلام علينا وعلى عباد اللّه الصّالحين ، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمّدًا رسول اللّه ، أو أنّ محمّدًا عبده ورسوله"فمن ترك حرفًا من ذلك عمدًا لم تصحّ صلاته ، للاتّفاق عليه في كلّ الأحاديث .
الجلوس للتّشهّد الأوّل:
55 -وهو واجب على غير من قام إمامه سهوًا ولم ينبّه ، فيسقط عنه حينئذ التّشهّد الأوّل، ويتابع إمامه وجوبًا .
أنواع السّنن في الصّلاة:
56 -قسّم جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - سنن الصّلاة باعتبار تأكّدها وعدمه وما يترتّب على تركها إلى نوعين:
فقسّمها الحنفيّة إلى: سنن وآداب ، والمقصود بالسّنن: هي السّنن المؤكّدة الّتي واظب عليها الرّسول صلى الله عليه وسلم أو الخلفاء الرّاشدون من بعده ، وتركها يوجب الإساءة ، والإثم إذا أصرّ على التّرك .
والآداب: وهي السّنن غير المؤكّدة ، وتركها لا يوجب إساءةً ولا عتابًا لكن فعلها أفضل .
كما قسّمها المالكيّة إلى: سنن ومندوبات . فالسّنن: هي السّنن المؤكّدة .
والمندوبات: هي السّنن غير المؤكّدة ويسمّونها - أيضًا - نوافل وفضائل ومستحبّات . وعند الشّافعيّة تنقسم إلى: أبعاض ، وهيئات .
فالأبعاض: هي السّنن المجبورة بسجود السّهو ، سواء تركها عمدًا أو سهوًا ، وسمّيت أبعاضًا لتأكّد شأنها بالجبر تشبيهًا بالبعض حقيقةً ، والهيئات: هي السّنن الّتي لا تجبر .
ولم يقسّمها الحنابلة بهذا الاعتبار وإنّما قسّموها باعتبار القول والفعل ، فهي تنقسم عندهم إلى: سنن أقوال ، وسنن أفعال وهيئات .
سنن الصّلاة:
أ - رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام:
57 -اتّفق الفقهاء على أنّه يسنّ للمصلّي عند تكبيرة الإحرام أن يرفع يديه ، لما روى ابن عمر: « أنّ رسول صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصّلاة » .
وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك . واختلفوا في كيفيّة الرّفع .
58 -فذهب الحنفيّة إلى أنّه يرفع يديه حذاء أذنيه حتّى يحاذي بإبهاميه شحمتي أذنيه ، وبرءوس الأصابع فروع أذنيه ، ويستقبل ببطون كفّيه القبلة ، وينشر أصابعه ويرفعهما ، فإذا استقرّتا في موضع محاذاة الإبهامين شحمتي الأذنين يكبّر ، فالرّفع يكون قبل التّكبير . وهذا في الرّجل ، أمّا المرأة فإنّها ترفع يديها حذاء المنكبين ، قالوا: ولا يطأطئ المصلّي رأسه عند التّكبير ، فإنّه بدعة .
ولو رفع المصلّي يديه فإنّه لا يضمّ أصابعه كلّ الضّمّ ، ولا يفرّج كلّ التّفريج بل يتركها على ما كانت عليه بين الضّمّ والتّفريج .
وصرّحوا بأنّه لو كبّر ولم يرفع يديه حتّى فرغ من التّكبير لم يأت به ، وإن ذكره في أثناء التّكبير رفع ، وإن لم يمكنه الرّفع إلى الموضع المسنون رفعهما قدر ما يمكن ، وإن أمكنه رفع إحداهما دون الأخرى رفعها وإن لم يمكنه الرّفع إلاّ بزيادة على المسنون رفعهما .
كما صرّحوا بأنّه لو اعتاد المصلّي ترك رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام فإنّه يأثم ، وإثمه لا لنفس التّرك ، بل لأنّه استخفاف وعدم مبالاة بسنّة واظب عليها النّبيّ صلى الله عليه وسلم مدّة عمره . قال ابن عابدين: الاستخفاف بمعنى التّهاون وعدم المبالاة ، لا بمعنى الاستهانة والاحتقار ، وإلاّ كان كفرًا .
59 -وذهب المالكيّة إلى أنّ المصلّي يرفع يديه عند شروعه في الإحرام ، فيكره رفعهما قبل التّكبير أو بعده ، والرّفع يكون بحيث تكون ظهور يديه إلى السّماء وبطونهما إلى الأرض وبحيث ينتهي رفعهما إلى حذو المنكبين على المشهور ، وقيل: انتهاؤها إلى الصّدر ، وقيل: يرفعهما حذو الأذنين ، وهما مقابلان للمشهور .
وتسمّى صفة هذا الرّفع عندهم صفة الرّاهب - وهي المذهب - ومقابله صفتان: صفة الرّاغب: وهي بأن يجعل بطون يديه للسّماء ، وصفة النّابذ: وهي أن يحاذي بكفّيه منكبيه قائمتين ورءوس أصابعهما ممّا يلي السّماء على صورة النّابذ للشّيء .
والدّليل على أنّ اليدين تكون حذو المنكبين في الرّفع ما في حديث ابن عمر: « من أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصّلاة .
والدّليل على أنّها تكون حذو الصّدر ما في حديث وائل بن حجر قال: « رأيت أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يرفعون أيديهم إلى صدورهم في افتتاح الصّلاة » .
والدّليل على كونها حذو الأذنين حديث مالك بن الحويرث: « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رفع يديه حتّى حاذى بهما أذنيه » وهذا في رفع الرّجل ، أمّا المرأة فدون ذلك إجماعًا عندهم، قالوا: ويستحبّ كشفهما عند الإحرام وإرسالهما بوقار فلا يدفع بهما أمامه .
ورفع اليدين عند المالكيّة من الفضائل على المعتمد وليس من السّنن .
60 -وعند الشّافعيّة يكون الرّفع حذو المنكبين ، لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصّلاة » قالوا: ومعنى حذو منكبيه: أن تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه ، وإبهاماه شحمتي أذنيه ، وراحتاه منكبيه ، وقال الأذرعيّ: بل معناه كون رءوس أصابعه حذو منكبيه ، فإن لم يمكن الرّفع إلاّ بزيادة على المشروع أو نقص منه أتى بالممكن منهما ، فإن أمكنه الإتيان بكلّ منهما فالزّيادة أولى ، لأنّه أتى بالمأمور وزيادة .