قال ابن عابدين: لكن ينبغي تقييده بما إذا لم يتكلّف إخراج حروف زائدة ، كما استثنى الحنفيّة البكاء من خوف الآخرة وذكر الجنّة والنّار فإنّه لا تفسد به الصّلاة ، لدلالته على الخشوع . فلو أعجبته قراءة الإمام فجعل يبكي ويقول: بلى أو نعم لا تفسد صلاته ، قال ابن عابدين نقلًا عن الكافي: لأنّ الأنين ونحوه إذا كان بذكرهما صار كأنّه قال: اللّهمّ إنّي أسألك الجنّة وأعوذ بك من النّار ، ولو صرّح به لا تفسد صلاته ، وإن كان من وجع أو مصيبة صار كأنّه يقول: أنا مصاب فعزّوني ولو صرّح به تفسد .
ولم يفرّق الشّافعيّة بين أن يكون البكاء من خوف الآخرة أم لا في بطلان الصّلاة .
وذهب المالكيّة إلى جواز الأنين لأجل وجع غلبه ، والبكاء لأجل الخشوع ، سواء كان قليلًا أو كثيرًا ، فإن لم يكن الأنين والبكاء من غلبة فيفرّق بين عمده وسهوه ، قليله وكثيره ، فالعمد مبطل مطلقًا قلّ أو كثر ، والسّهو يبطل إن كان كثيرًا ويسجد له إن قلّ .
قال الدّردير: وهذا في البكاء الممدود وهو ما كان بصوت ، وأمّا المقصور ، وهو ما كان بلا صوت فلا يضرّ ولو اختيارًا ما لم يكثر .
ومثل المالكيّة مذهب الحنابلة فصرّحوا بعدم بطلان الصّلاة بالبكاء خشيةً من اللّه تعالى ، لكونه غير داخل في وسعه ، ومثله ما لو غلبه نحو سعال وعطاس وتثاؤب وبكاء ، ولو بان منه حرفان ، قال مهنّا: صلّيت إلى جنب أبي عبد اللّه فتثاءب خمس مرّات وسمعت لتثاؤبه: هاه ، هاه . وذلك لأنّه لا ينسب إليه ولا يتعلّق به حكم من أحكام الكلام . تقول: تثاءبت ، على تفاعلت ، ولا تقل: تثاوبت ، إلاّ أنّه يكره استدعاء بكاء وضحك لئلاّ يظهر حرفان فتبطل صلاته .
110 -وذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّ التّنحنح"هو أن يقول أح بالفتح والضّمّ"لغير عذر مبطل للصّلاة إن ظهر حرفان ، فإن كان لعذر نشأ من طبعه ، أو غلبه فلا تفسد صلاته . قال الحنفيّة: ومثله ما لو فعله لغرض صحيح ، كتحسين الصّوت ، لأنّه يفعله لإصلاح القراءة ، ومن الغرض الصّحيح ما لو فعله ليهتدي إمامه إلى الصّواب ، أو للإعلام أنّه في الصّلاة ، قال ابن عابدين: والقياس الفساد في الكلّ إلاّ في المدفوع إليه كما هو قول أبي حنيفة ومحمّد ، لأنّه كلام ، والكلام مفسد على كلّ حال ، وكأنّهم عدلوا بذلك عن القياس وصحّحوا عدم الفساد به إذا كان لغرض صحيح لوجود نصّ، ولعلّه ما في الحلية من سنن ابن ماجه عن عليّ - رضي الله تعالى عنه - قال: « كان لي من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مدخلان: مدخل باللّيل ومدخل بالنّهار ، فكنت إذا أتيته وهو يصلّي يتنحنح لي » .
وبمثل هذا صرّح الحنابلة فأجازوا النّحنحة لحاجة ولو بان حرفان . قال المرّوذيّ: كنت آتي أبا عبد اللّه فيتنحنح في صلاته لأعلم أنّه يصلّي .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إنّما يعذر من التّنحنح وغيره: كالسّعال والعطاس اليسير عرفًا للغلبة ، وإن ظهر به حرفان لعدم التّقصير ، وكذا التّنحنح لتعذّر القراءة الواجبة وغيرها من الأركان القوليّة للضّرورة ، أمّا إذا كثر التّنحنح ونحوه للغلبة كأن ظهر منه حرفان من ذلك وكثر فإنّ صلاته تبطل ، وصوّب الإسنويّ عدم البطلان في التّنحنح والسّعال والعطاس للغلبة وإن كثرت إذ لا يمكن الاحتراز عنها .
قال الخطيب الشّربينيّ: وينبغي أن يكون محلّ الأوّل ما إذا لم يصر السّعال ونحوه مرضًا ملازمًا له ،أمّا إذا صار السّعال ونحوه كذلك فإنّه لا يضرّ كمن به سلس بول ونحوه بل أولى. ولا يعذر لو تنحنح للجهر وإن كان يسيرًا ، لأنّ الجهر سنّة ، لا ضرورة إلى التّنحنح له . وفي معنى الجهر سائر السّنن .
قال الخطيب الشّربينيّ: لو جهل بطلانها بالتّنحنح مع علمه بتحريم الكلام فمعذور لخفاء حكمه على العوّام .
وذهب المالكيّة إلى أنّ التّنحنح لحاجة لا يبطل الصّلاة ، ولا سجود فيه من غير خلاف ، وأمّا التّنحنح لغير حاجة ، بل عبثًا ففيه خلاف ، والصّحيح أنّه لا تبطل به الصّلاة - أيضًا - ولا سجود فيه ، وهو أحد قولي مالك وأخذ به ابن القاسم واختاره الأبهريّ واللّخميّ وخليل . والقول الثّاني لمالك: أنّه كالكلام ، فيفرّق بين العمد والسّهو . وفسّر ابن عاشر الحاجة بضرورة الطّبع ، وقيّدوا عدم بطلان الصّلاة بالتّنحنح لغير الحاجة بما إذا قلّ وإلاّ أبطل ، لأنّه فعل كثير من غير جنس الصّلاة .
111 -وصرّح المالكيّة ببطلان الصّلاة بتعمّد النّفخ بالفم وإن لم يظهر منه حرف . قال الدّسوقيّ: وسواء كان كثيرًا أو قليلًا ، ظهر معه حرف أم لا ، لأنّه كالكلام في الصّلاة . وهذا هو المشهور . وقيل: إنّه لا يبطل مطلقًا . وقيل: إن ظهر منه حرف أبطل وإلاّ فلا . أمّا النّفخ بالأنف فلا تبطل به الصّلاة ما لم يكثر أو يقصد عبثًا .
قال الدّسوقيّ: فإن كان عبثًا جرى على الأفعال الكثيرة ، لأنّه فعل من غير جنس الصّلاة .
وقيّد الحنابلة بطلان الصّلاة بالنّفخ فيما إذا بان حرفان لقول ابن عبّاس - رضي الله تعالى عنهما -"من نفخ في صلاته فقد تكلّم وروي نحوه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ."
د - الضّحك:
112 -ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة - إلى بطلان الصّلاة بالضّحك إن كان قهقهةً ، ولو لم تَبِن حروف ، لما روى جابر - رضي الله تعالى عنه - أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « القهقهة تنقض الصّلاة ولا تنقض الوضوء » ولأنّه تعمّد فيها ما ينافيها ، أشبه خطاب الآدميّ .