18 -ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في قول - إلى كراهة صوم الوصال ، وهو: أن لا يفطر بعد الغروب أصلًا ، حتّى يتّصل صوم الغد بالأمس ، فلا يفطر بين يومين ، وفسّره بعض الحنفيّة بأن يصوم السّنة ولا يفطر في الأيّام المنهيّة . وإنّما كره ، لما روي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: » واصل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في رمضان ، فواصل النّاس .. فنهاهم ، قيل له: إنّك تواصل ، قال: إنّي لست مثلكم ، إنّي أطعم وأسقى « .
والنّهي وقع رفقًا ورحمةً ، ولهذا واصل النّبيّ صلى الله عليه وسلم .
وتزول الكراهة بأكل تمرة ونحوها ، وكذا بمجرّد الشّرب لانتفاء الوصال .
ولا يكره الوصال إلى السّحر عند الحنابلة ، لحديث أبي سعيد - رضي الله عنه - مرفوعًا: » فأيّكم إذا أراد أن يواصل ، فليواصل حتّى السّحر « ولكنّه ترك سنّةً ، وهي: تعجيل الفطر ، فترك ذلك أولى محافظةً على السّنّة .
وعند الشّافعيّة قولان: الأوّل وهو الصّحيح: بأنّ الوصال مكروه كراهة تحريم ، وهو ظاهر نصّ الشّافعيّ رحمه الله ، والثّاني: يكره كراهة تنزيه .
و - صوم الدّهر - صوم العمر -:
19 -ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وبعض الشّافعيّة - على وجه العموم إلى كراهة صوم الدّهر ، وعلّلت الكراهة بأنّه يضعف الصّائم عن الفرائص والواجبات والكسب الّذي لا بدّ منه ، أو بأنّه يصير الصّوم طبعًا له ، ومبنى العبادة على مخالفة العادة. واستدلّ للكراهة ، بحديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: » لا صام من صام الأبد « .
وفي حديث أبي قتادة - رضي الله عنه - قال: » قال عمر: يا رسول اللّه ، كيف بمن يصوم الدّهر كلّه ؟ قال: لا صام ولا أفطر ، أو لم يصم ولم يفطر « أي: لم يحصّل أجر الصّوم لمخالفته ، ولم يفطر لأنّه أمسك .
وقال الغزاليّ: هو مسنون .
وقال الأكثرون من الشّافعيّة: إن خاف منه ضررًا ، أو فوّت به حقًّا كره ، وإلاّ فلا .
والمراد بصوم الدّهر عند الشّافعيّة: سرد الصّوم في جميع الأيّام إلاّ الأيّام الّتي لا يصحّ صومها وهي: العيدان وأيّام التّشريق .
الصّوم المحرّم:
20 -ذهب الجمهور إلى تحريم صوم الأيّام التّالية:
أ - صوم يوم عيد الفطر ، ويوم عيد الأضحى ، وأيّام التّشريق ، وهي: ثلاثة أيّام بعد يوم النّحر .
وذلك لأنّ هذه الأيّام منع صومها لحديث أبي سعيد - رضي الله عنه -: » أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين: يوم الفطر ، ويوم النّحر « .
وحديث نبيشة الهذليّ - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: » أيّام التّشريق أيّام أكل وشرب ، وذكر اللّه - عزّ وجلّ - « .
وذهب الحنفيّة إلى جواز الصّوم فيها مع الكراهة التّحريميّة ، لما في صومها من الإعراض عن ضيافة اللّه تعالى ، فالكراهة ليست لذات اليوم ، بل لمعنىً خارج مجاور ، كالبيع عند الأذان يوم الجمعة ، حتّى لو نذر صومها صحّ ، ويفطر وجوبًا تحاميًا عن المعصية ، ويقضيها إسقاطًا للواجب ، ولو صامها خرج عن العهدة ، مع الحرمة .
وصرّح الحنابلة بأنّ صومها لا يصحّ فرضًا ولا نفلًا ، وفي رواية عن أحمد أنّه يصومها عن الفرض .
واستثنى المالكيّة والحنابلة في رواية: صوم أيّام التّشريق عن دم المتعة والقران ، ونقل المرداويّ أنّها المذهب ، لقول ابن عمر وعائشة - رضي الله تعالى عنهم - لم يرخّص في أيّام التّشريق أن يصمن إلاّ لمن لم يجد الهدي .
وهذا هو القديم عند الشّافعيّة ، والأصحّ الّذي اختاره النّوويّ ما في الجديد وهو: عدم صحّة الصّوم فيها مطلقًا .
قال الغزاليّ: وأمّا صوم يوم النّحر ، فقطع الشّافعيّ - رحمه الله تعالى - ببطلانه ، لأنّه لم يظهر انصراف النّهي عن عينه ووصفه ، ولم يرتض قولهم: إنّه نهى عنه ، لما فيه من ترك إجابة الدّعوة بالأكل .
ب - ويحرم صيام الحائض والنّفساء ، وصيام من يخاف على نفسه الهلاك بصومه .
ثبوت هلال شهر رمضان:
21 -يجب صوم رمضان بإكمال شعبان ثلاثين يومًا اتّفاقًا ، أو رؤية الهلال ليلة الثّلاثين ، وفي ثبوت الرّؤية خلاف بين الفقهاء ينظر في مصطلح: ( رؤية ف 2 ، ورمضان ف 2 ) .
صوم من رأى الهلال وحده:
22 -من رأى هلال رمضان وحده ، وردّت شهادته ، لزمه الصّوم وجوبًا ، عند جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - وهو مشهور مذهب أحمد ، وذلك: للآية الكريمة، وهي قوله تعالى: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .
ولحديث: » صوموا لرؤيته « .
وحديث: » الصّوم يوم تصومون ، والفطر يوم تفطرون « .
ولأنّه تيقّن أنّه من رمضان ، فلزمه صومه ، كما لو حكم به الحاكم .
وروي عن أحمد: أنّه لا يصوم إلاّ في جماعة من النّاس .
وقيل: يصوم ندبًا احتياطًا ، كما ذكره الكاسانيّ .
وقال المالكيّة: إن أفطر فعليه القضاء ، وإذا اعتقد عدم وجوب الصّوم عليه كغيره لجهله فقولان عندهم في وجوب الكفّارة ، لأنّه ليس بعد العيان بيان ، أو عدم وجوب الكفّارة ، بسبب عدم وجوب الصّوم على غيره .
23 -وإن رأى هلال شوّال وحده ، لم يفطر عند الجمهور ، خوف التّهمة وسدًّا للذّريعة ، وقيل: يفطر إن خفي له ذلك ، وقال أشهب: ينوي الفطر بقلبه ، وعلى المذهب - وقول الجمهور الّذين منهم المالكيّة - إن أفطر فليس عليه شيء فيما بينه وبين اللّه تعالى ، فإن عثر عليه عوقب إن اتّهم ، ولا كفّارة ، كما نصّ عليه الحنفيّة ، لشبهة الرّدّ .