وقال الشّافعيّ: له أن يفطر ، لأنّه تيقّن من شوّال ، فجاز له الأكل كما لو قامت بيّنة لكن يفطر سرًّا ، بحيث لا يراه أحد ، لأنّه إذا أظهر الفطر عرّض نفسه للتّهمة ، وعقوبة السّلطان .
وقال الحنفيّة: لو أفطر من رأى الهلال وحده في الوقتين: رمضان وشوّال قضى ولا كفّارة عليه ، لأنّه بردّ شهادته في رمضان ، صار مكذّبًا شرعًا ، ولو كان فطره قبل ما ردّ القاضي شهادته لا كفّارة عليه في الصّحيح الرّاجح ، لقيام الشّبهة ، لأنّ ما رآه يحتمل أن يكون خيالًا ، لا هلالًا - كما يقول الحصكفيّ - .
وقيل: تجب الكفّارة فيهما - أي في الفطر وفي رمضان - وذلك للظّاهر بين النّاس في الفطر ، وللحقيقة الّتي عنده في رمضان .
ركن الصّوم:
24 -ركن الصّوم باتّفاق الفقهاء هو: الإمساك عن المفطرات ، وذلك من طلوع الفجر الصّادق ، حتّى غروب الشّمس .
ودليله قوله تعالى: { وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ } .
والمراد من النّصّ: بياض النّهار وظلمة اللّيل ، لا حقيقة الخيطين ، فقد أباح اللّه تعالى هذه الجملة من المفطرات ليالي الصّيام ، ثمّ أمر بالإمساك عنهنّ في النّهار ، فدلّ على أنّ حقيقة الصّوم وقوامه هو ذلك الإمساك .
شروط وجوب الصّوم:
25 -شروط وجوب الصّوم ، أي: اشتغال الذّمّة بالواجب - كما يقول الكاسانيّ - هي شروط افتراضه والخطاب به . وهي:
أ - الإسلام ، وهو شرط عامّ للخطاب بفروع الشّريعة .
ب - العقل ، إذ لا فائدة من توجّه الخطاب بدونه ، فلا يجب الصّوم على مجنون إلاّ إذا أثم بزوال عقله ، في شراب أو غيره ، ويلزمه قضاؤه بعد الإفاقة .
وعبّر الحنفيّة بالإفاقة بدلًا من العقل ، أي الإفاقة من الجنون والإغماء أو النّوم ، وهي اليقظة .
ج - البلوغ ، ولا تكليف إلاّ به ، لأنّ الغرض من التّكليف هو الامتثال ، وذلك بالإدراك والقدرة على الفعل - كما هو معلوم في الأصول - والصّبا والطّفولة عجز .
ونصّ الفقهاء على أنّه يؤمر به الصّبيّ لسبع - كالصّلاة - إن أطاقه ، ويضرب على تركه لعشر .
والحنابلة قالوا: يجب على وليّه أمره بالصّوم إذا أطاقه ، وضربه حينئذ إذا تركه ليعتاده ، كالصّلاة ، إلاّ أنّ الصّوم أشقّ ، فاعتبرت له الطّاقة ، لأنّه قد يطيق الصّلاة من لا يطيق الصّوم .
د - العلم بالوجوب ، فمن أسلم في دار الحرب ، يحصل له العلم الموجب ، بإخبار رجلين عدلين ، أو رجل مستور وامرأتين مستورتين ، أو واحد عدل ، ومن كان مقيمًا في دار الإسلام ، يحصل له العلم بنشأته في دار الإسلام ، ولا عذر له بالجهل .
شروط وجوب أدائه:
26 -شروط وجوب الأداء الّذي هو تفريغ ذمّة المكلّف عن الواجب في وقته المعيّن له هي:
أ - الصّحّة والسّلامة من المرض ، لقوله تعالى: { وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .
ب - الإقامة ، للآية نفسها . قال ابن جزيّ: وأمّا الصّحّة والإقامة ، فشرطان في وجوب الصّيام ، لا في صحّته ، ولا في وجوب القضاء ، فإنّ وجوب الصّوم يسقط عن المريض والمسافر ، ويجب عليهما القضاء ، إن أفطرا إجماعًا ، ويصحّ صومهما إن صاما .
ج - خلوّ المرأة من الحيض والنّفاس ، لأنّ الحائض والنّفساء ليستا أهلًا للصّوم ، ولحديث عائشة رضي الله تعالى عنها لمّا سألتها معاذة: » ما بال الحائض ، تقضي الصّوم ولا تقضي الصّلاة ؟ فقالت: أحروريّة أنت ؟ قلت: لست بحروريّة ، ولكنّي أسأل ، قالت: كان يصيبنا ذلك ، فنؤمر بقضاء الصّوم ، ولا نؤمر بقضاء الصّلاة « .
فالأمر بالقضاء فرع وجوب الأداء .
والإجماع منعقد على منعهما من الصّوم ، وعلى وجوب القضاء عليهما .
شروط صحّة الصّوم:
27 -شروط صحّة الصّوم هي:
أ - الطّهارة من الحيض والنّفاس ، وقد عدّها بعض الفقهاء من شروط الصّحّة ، كالكمال من الحنفيّة ، وابن جزيّ من المالكيّة .
وعدّها بعضهم من شروط وجوب الأداء ، وشروط الصّحّة معًا .
ب - خلوّه عمّا يفسد الصّوم بطروّه عليه كالجماع .
ج - النّيّة . وذلك لأنّ صوم رمضان عبادة ، فلا يجوز إلاّ بالنّيّة ، كسائر العبادات . ولحديث: » إنّما الأعمال بالنّيّات « .
والإمساك قد يكون للعادة ، أو لعدم الاشتهاء ، أو للمرض ، أو للرّياضة ، فلا يتعيّن إلاّ بالنّيّة ، كالقيام إلى الصّلاة والحجّ .
قال النّوويّ: لا يصحّ الصّوم إلاّ بنيّة ، ومحلّها القلب ، ولا يشترط النّطق بها ، بلا خلاف . وقال الحنفيّة: التّلفّظ بها سنّة .
صفة النّيّة:
صفة النّيّة ، أن تكون جازمةً ، معيّنةً ، مبيّتةً ، مجدّدةً ، على ما يلي:
28 -أوّلًا: الجزم ، فقد اشترط في نيّة الصّوم ، قطعًا للتّردّد ، حتّى لو نوى ليلة الشّكّ ، صيام غد ، إن كان من رمضان لم يجزه ، ولا يصير صائمًا لعدم الجزم ، فصار كما إذا نوى أنّه إن وجد غداءً غدًا يفطر ، وإن لم يجد يصوم .
ونصّ الشّافعيّة والحنابلة على أنّه إن قال: إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي ، وإلاّ فهو نفل ، أو فأنا مفطر ، لم يصحّ صومه ، إن ظهر أنّه من رمضان ، لعدم جزمه بالنّيّة .
وإن قال ذلك ليلة الثّلاثين من رمضان ، صحّ صومه إن بان منه ، لأنّه مبنيّ على أصل لم يثبت زواله ، ولا يقدح تردّده ، لأنّه حكم صومه مع الجزم . بخلاف ما إذا قاله ليلة الثّلاثين من شعبان ، لأنّه لا أصل معه يبني عليه ، بل الأصل بقاء شعبان .