فهرس الكتاب

الصفحة 1380 من 2053

29 -ثانيًا: التّعيين ، والجمهور من الفقهاء ذهبوا إلى أنّه لا بدّ من تعيين النّيّة في صوم رمضان ، وصوم الفرض والواجب ، ولا يكفي تعيين مطلق الصّوم ، ولا تعيين صوم معيّن غير رمضان .

وكمال النّيّة - كما قال النّوويّ -: أن ينوي صوم غد ، عن أداء فرض رمضان هذه السّنة للّه تعالى .

وإنّما اشترط التّعيين في ذلك ، لأنّ الصّوم عبادة مضافة إلى وقت ، فيجب التّعيين في نيّتها، كالصّلوات الخمس ، ولأنّ التّعيين مقصود في نفسه ، فيجزئ التّعيين عن نيّة الفريضة في الفرض ، والوجوب في الواجب .

وذهب الحنفيّة في التّعيين إلى تقسيم الصّيام إلى قسمين:

القسم الآول: لا يشترط فيه التّعيين ، وهو: أداء رمضان ، والنّذر المعيّن زمانه ، وكذا النّفل ، فإنّه يصحّ بمطلق نيّة الصّوم ، من غير تعيين .

وذلك لأنّ رمضان معيار - كما يقول الأصوليّون - وهو مضيق ، لا يسع غيره من جنسه وهو الصّوم ، فلم يشرع فيه صوم آخر ، فكان متعيّنًا للفرض ، والمتعيّن لا يحتاج إلى تعيين ، والنّذر المعيّن معتبر بإيجاب اللّه تعالى ، فيصاب كلّ منهما بمطلق النّيّة ، وبأصلها، وبنيّة نفل ، لعدم المزاحم كما يقول الحصكفيّ .

وكلّ يوم معيّن للنّفل - كما سيأتي - ما عدا رمضان ، والأيّام المحرّم صومها ، وما يعيّنه المكلّف بنفسه ، فكلّ ذلك متعيّن ، ولا يحتاج إلى التّعيين .

والقسم الثّاني: يشترط فيه التّعيين ، وهو: قضاء رمضان ، وقضاء ما أفسده من النّفل ، وصوم الكفّارات بأنواعها ، والنّذر المطلق عن التّقييد بزمان ، سواء أكان معلّقًا بشرط ، أم كان مطلقًا ، لأنّه ليس له وقت معيّن ، فلم يتّأد إلاّ بنيّة مخصوصة ، قطعًا للمزاحمة .

30 -ثالثًا - التّبييت: وهو شرط في صوم الفرض عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة والتّبييت: إيقاع النّيّة في اللّيل ، ما بين غروب الشّمس إلى طلوع الفجر ، فلو قارن الغروب أو الفجر أو شكّ ، لم يصحّ ، كما هو قضيّة التّبييت .

وفي قول للمالكيّة ، يصحّ لو قارنت الفجر ، كما في تكبيرة الإحرام ، لأنّ الأصل في النّيّة المقارنة للمنويّ .

ويجوز أن تقدّم من أوّل اللّيل ، ولا تجوز قبل اللّيل .

وذلك لحديث ابن عمر ، عن حفصة رضي الله تعالى عنهم عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: » من لم يجمع الصّيام قبل الفجر ، فلا صيام له « .

ولأنّ صوم القضاء والكفّارات ، لا بدّ لها من تبييت النّيّة ، فكذا كلّ صوم فرض معيّن .

ولا تجزئ بعد الفجر ويجزئ مع طلوع الفجر إن اتّفق ذلك ، وإن روى ابن عبد الحكم أنّها لا تجزئ مع الفجر ، وكلام القرافيّ وآخرين يفيد أنّ الأصل كونها مقارنةً للفجر ، ورخّص تقدّمها عليه للمشقّة في مقارنتها له .

والصّحيح عند الشّافعيّة والحنابلة: أنّه لا يشترط في التّبييت النّصف الآخر من اللّيل ، لإطلاقه في الحديث ، ولأنّ تخصيص النّيّة بالنّصف الأخير يفضي إلى تفويت الصّوم ، لأنّه وقت النّوم ، وكثير من النّاس لا ينتبه فيه ، ولا يذكر الصّوم ، والشّارع إنّما رخّص في تقديم النّيّة على ابتدائه ، لحرج اعتبارها عنده ، فلا يخصّها بمحلّ لا تندفع المشقّة بتخصيصها به ، ولأنّ تخصيصها بالنّصف الأخير تحكّم من غير دليل ، بل تقرّب النّيّة من العبادة ، لمّا تعذّر اقترانها بها .

والصّحيح أيضًا: أنّه لا يضرّ الأكل والجماع بعد النّيّة ما دام في اللّيل ، لأنّه لم يلتبس بالعبادة ، وقيل: يضرّ فتحتاج إلى تجديدها ، تحرّزًا عن تخلّل المناقض بينها وبين العبادة ، لمّا تعذّر اقترانها بها .

والصّحيح أيضًا: أنّه لا يجب التّجديد لها إذا نام بعدها ، ثمّ تنبّه قبل الفجر ، وقيل: يجب ، تقريبًا للنّيّة من العبادة بقدر الوسع .

والحنفيّة لم يشترطوا التّبييت في رمضان . ولمّا لم يشترطوا تبييت النّيّة في ليل رمضان ، أجازوا النّيّة بعد الفجر دفعًا للحرج أيضًا ، حتّى الضّحوة الكبرى ، فينوي قبلها ليكون الأكثر منويًّا ، فيكون له حكم الكلّ ، حتّى لو نوى بعد ذلك لا يجوز ، لخلوّ الأكثر عن النّيّة ، تغليبًا للأكثر .

والضّحوة الكبرى: نصف النّهار الشّرعيّ ، وهو من وقت طلوع الفجر إلى غروب الشّمس. وقال الحنفيّة ، منهم الموصليّ: والأفضل الصّوم بنيّة معيّنة مبيّتة للخروج عن الخلاف . ودليل الحنفيّة على ما ذهبوا إليه ، من صحّة النّيّة حتّى الضّحوة الكبرى ، وعدم شرطيّة التّبييت: حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: » أنّ النّاس أصبحوا يوم الشّكّ ، فقدم أعرابيّ ، وشهد برؤية الهلال ، فقال صلى الله عليه وسلم: أتشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّي رسول اللّه ؟ فقال: نعم ، فقال عليه الصلاة والسلام: اللّه أكبر ، يكفي المسلمين أحدهم ، فصام وأمر بالصّيام ، وأمر مناديًا فنادى: ألا من أكل فلا يأكل بقيّة يومه ، ومن لم يأكل فليصم « .

فقد أمر بالصّوم ، وأنّه يقتضي القدرة على الصّوم الشّرعيّ ، ولو شرطت النّيّة من اللّيل لما كان قادرًا عليه ، فدلّ على عدم اشتراطها .

واستدلّوا أيضًا ، بما ورد في الحديث: » أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أرسل غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطرًا فليتمّ بقيّة يومه ، ومن أصبح صائمًا فليصم« . وكان صوم عاشوراء واجبًا ، ثمّ نسخ بفرض رمضان .

واشترط الحنفيّة تبييت النّيّة في صوم الكفّارات والنّذور المطلقة وقضاء رمضان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت