31 -أمّا النّفل فيجوز صومه عند الجمهور - خلافًا للمالكيّة - بنيّة قبل الزّوال ، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: » دخل عليّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، فقال: هل عندكم شيء ؟ ، فقلنا: لا فقال: فإنّي إذن صائم « .
ولأنّ النّفل أخفّ من الفرض ، والدّليل عليه: أنّه يجوز ترك القيام في النّفل مع القدرة ، ولا يجوز في الفرض .
وعند بعض الشّافعيّة يجوز بنيّة بعد الزّوال ، والمذهب في القديم والجديد: لا يجوز ، لأنّ النّيّة لم تصحب معظم العبادة .
ومذهب المالكيّة: أنّه يشترط في صحّة الصّوم مطلقًا ، فرضًا أو نفلًا ، نيّة مبيّتة ، وذلك لإطلاق الحديث المتقدّم: » من لم يجمع الصّيام من اللّيل ، فلا صيام له « .
ومذهب الحنابلة جواز النّيّة في النّفل ، قبل الزّوال وبعده ، واستدلّوا بحديث عائشة ، وحديث صوم يوم عاشوراء ، وأنّه قول معاذ وابن مسعود وحذيفة رضي الله عنهم وأنّه لم ينقل عن أحد من الصّحابة ما يخالفه صريحًا ، والنّيّة وجدت في جزء من النّهار ، فأشبه وجودها قبل الزّوال بلحظه .
ويشترط لجواز نيّة النّفل في النّهار عند الحنابلة: أن لا يكون فعل ما يفطره قبل النّيّة ، فإن فعل فلا يجزئه الصّوم ، قال البهوتيّ: بغير خلاف نعلمه ، قاله في الشّرح ، لكن خالف فيه أبو زيد الشّافعيّ .
وعند الشّافعيّة وجهان في اعتبار الثّواب: من أوّل النّهار ، أم من وقت النّيّة ؟ أصحّهما عند الأكثرين: أنّه صائم من أوّل النّهار ، كما إذا أدرك الإمام في الرّكوع ، يكون مدركًا لثواب جميع الرّكعة ، فعلى هذا يشترط جميع شروط الصّوم من أوّل النّهار .
32 -رابعًا: تجديد النّيّة: ذهب الجمهور إلى تجديد النّيّة في كلّ يوم من رمضان ، من اللّيل أو قبل الزّوال - على الخلاف السّابق - وذلك: لكي يتميّز الإمساك عبادةً ، عن الإمساك عادةً أو حميةً .
ولأنّ كلّ يوم عبادة مستقلّة ، لا يرتبط بعضه ببعض ، ولا يفسد بفساد بعض ، ويتخلّلها ما ينافيها ، وهو اللّيالي الّتي يحلّ فيها ما يحرّم في النّهار ، فأشبهت القضاء ، بخلاف الحجّ وركعات الصّلاة .
وذهب زفر ومالك - وهو رواية عن أحمد - أنّه تكفي نيّة واحدة عن الشّهر كلّه في أوّله ، كالصّلاة . وكذلك في كلّ صوم متتابع ، ككفّارة الصّوم والظّهار ، ما لم يقطعه أو يكن على حاله يجوز له الفطر فيها ، فيلزمه استئناف النّيّة ، وذلك لارتباط بعضها ببعض ، وعدم جواز التّفريق ، فكفت نيّة واحدة ، وإن كانت لا تبطل ببطلان بعضها ، كالصّلاة .
فعلى ذلك لو أفطر يومًا لعذر أو غيره ، لم يصحّ صيام الباقي بتلك النّيّة ، كما جزم به بعضهم ، وقيل: يصحّ ، وقدّمه بعضهم .
ويقاس على ذلك النّذر المعيّن ومع ذلك ، فقد قال ابن عبد الحكم - من المالكيّة -: لا بدّ في الصّوم الواجب المتتابع من النّيّة كلّ يوم ، نظرًا إلى أنّه كالعبادات المتعدّدة ، من حيث عدم فساد ما مضى منه بفساد ما بعده .
بل روي عن زفر أنّ المقيم الصّحيح ، لا يحتاج إلى نيّة ، لأنّ الإمساك متردّد بين العادة والعبادة ، فكان متردّدًا بأصله متعيّنًا بوصفه ، فعلى أيّ وجه أتى به وقع عنه .
استمرار النّيّة:
33 -اشترط الفقهاء الدّوام على النّيّة ، فلو نوى الصّيام من اللّيل ثمّ رجع عن نيّته قبل طلوع الفجر لا يصير صائمًا .
قال الطّحطاويّ: ويشترط الدّوام عليها .
فلو نوى من اللّيل ، ثمّ رجع عن نيّته قبل طلوع الفجر ، صحّ رجوعه ولا يصير صائمًا ، ولو أفطر لا شيء عليه إلاّ القضاء ، بانقطاع النّيّة بالرّجوع ، فلا كفّارة عليه في رمضان ، لشبهة خلاف من اشترط التّبييت ، إلاّ إذا جدّد النّيّة ، بأن ينوي الصّوم في وقت النّيّة ، تحصيلًا لها ، لأنّ الأولى غير معتبرة ، بسبب الرّجوع عنها .
ولا تبطل النّيّة بقوله: أصوم غدًا إن شاء اللّه ، لأنّه بمعنى الاستعانة ، وطلب التّوفيق والتّيسير . والمشيئة إنّما تبطل اللّفظ ، والنّيّة فعل القلب .
قال البهوتيّ: وكذا سائر العبادات ، لا تبطل بذكر المشيئة في نيّتها .
ولا تبطل النّيّة بأكله أو شربه أو جماعه بعدها عند جمهور الفقهاء ،وحكي عن أبي إسحاق بطلانها ، ولو رجع عن نيّته قبل طلوع الفجر صحّ رجوعه .
ولو نوى الإفطار في أثناء النّهار فمذهب الحنفيّة والشّافعيّة أنّه لا يفطر ، كما لو نوى التّكلّم في صلاته ولم يتكلّم ، قال البيجوريّ: ويضرّ رفض النّيّة ليلًا ، ولا يضرّ نهارًا .
وقال المالكيّة والحنابلة: يفطر ، لأنّه قطع نيّة الصّوم بنيّة الإفطار ، فكأنّه لم يأت بها ابتداءً.
الإغماء والجنون والسّكر بعد النّيّة:
34 -اختلف الفقهاء فيما إذا نوى الصّيام من اللّيل ، ثمّ طرأ عليه إغماء أو جنون أو سكر، فإن لم يفق إلاّ بعد غروب الشّمس ، فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى عدم صحّة صومه ، لأنّ الصّوم هو الإمساك مع النّيّة ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: » قال اللّه: كلّ عمل ابن آدم له إلاّ الصّوم ، فإنّه لي وأنا أجزي به ، يدع شهوته وطعامه من أجلي « فأضاف ترك الطّعام والشّراب إليه ، فإذا كان مغمىً عليه فلا يضاف الإمساك إليه ، فلم يجزئه .
وذهب الحنفيّة إلى صحّة صومه ، لأنّ نيّته قد صحّت ، وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحّة الصّوم ، كالنّوم .
أمّا إذا أفاق أثناء النّهار ، فذهب الحنفيّة إلى تجديد النّيّة إذا أفاق قبل الزّوال ، وذهب المالكيّة إلى عدم صحّة صومه ، وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا أفاق في أيّ جزء من النّهار صحّ صومه ، سواء أكان في أوّله أم في آخره .