وخالف مالك في صوم رمضان فذهب إلى أنّ من نسي في رمضان ، فأكل أو شرب ، عليه القضاء ، أمّا لو نسي في غير رمضان ، فأكل أو شرب ، فإنّه يتمّ صومه ، ولا قضاء عليه. هـ - وشرط الحنفيّة والمالكيّة استقرار المادّة في الجوف ، وعلّلوه بأنّ الحصاة - مثلًا - تشغل المعدة شغلًا ما وتنقص الجوع .
ولم يشترط الشّافعيّة والحنابلة استقرار المادّة في الجوف إذا كان باختياره .
وعلى قول الحنفيّة والمالكيّة: لو لم تستقرّ المادّة ، بأن خرجت من الجوف لساعتها لا يفسد الصّوم ، كما لو أصابته سهام فاخترقت بطنه ونفذت من ظهره ، ولو بقي النّصل في جوفه فسد صومه ، ولو كان ذلك بفعله يفسد صومه ، قال الغزاليّ: ولو كان بعض السّكّين خارجًا .
و - وشرط الشّافعيّة والحنابلة وزفر من الحنفيّة ، أن يكون الصّائم مختارًا فيما يتناوله ، من طعام أو شراب أو دواء ، فلو أوجر الماء ، أو صبّ الدّواء في حلقه مكرهًا ، لم يفسد صومه عندهم ، لأنّه لم يفعل ولم يقصد .
ولو أكره على الإفطار ، فأكل أو شرب ، فللشّافعيّة قولان مشهوران في الفطر وعدمه . أصحّهما: عدم الفطر ، وعلّلوا عدم الإفطار بأنّ الحكم الّذي ينبني على اختياره ساقط ، لعدم وجود الاختيار .
ومذهب الحنابلة: أنّه لا يفسد صومه قولًا واحدًا ، وهو كالإيجار ، وذلك لحديث: » إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه « . فإنّه عامّ .
ومذهب الحنفيّة والمالكيّة: أنّ الإكراه على الإفطار يفسد الصّوم ، ويستوجب القضاء ، وذلك لأنّ المراد من حديث: » إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان ، وما استكرهوا عليه « رفع الحكم ، لتصحيح الكلام اقتضاءً ، والمقتضي لا عموم له ، والإثم مراد إجماعًا ، فلا تصحّ إرادة الحكم الآخر - وهو الدّنيويّ - بالفساد .
ما يفسد الصّوم ، ويوجب القضاء:
39 -وذلك يرجع إلى الإخلال بأركانه وشروطه ، ويمكن حصره فيما يلي:
أ - تناول ما لا يؤكل في العادة .
ب - قضاء الوطر قاصرًا .
ج - شئون المعالجة والمداواة .
د - التّقصير في حفظ الصّوم والجهل بأحكامه .
هـ- الإفطار بسبب العوارض .
أوّلًا: تناول ما لا يؤكل عادةً:
40 -تناول ما لا يؤكل عادةً كالتّراب والحصى ، والدّقيق غير المخلوط - على الصّحيح - والحبوب النّيئة ، كالقمح والشّعير والحمّص والعدس ، والثّمار الفجّة الّتي لا تؤكل قبل النّضج ، كالسّفرجل والجوز ، وكذا تناول ملح كثير دفعةً واحدةً يوجب القضاء دون الكفّارة، أمّا إذا أكله على دفعات ، بتناول دفعة قليلة ، في كلّ مرّة ، فيجب القضاء والكفّارة عند الحنفيّة .
أمّا في أكل نواة أو قطن أو ورق ، أو ابتلاع حصاة ، أو حديد أو ذهب أو فضّة ، وكذا شرب ما لا يشرب من السّوائل كالبترول فالقضاء دون كفّارة لقصور الجناية بسبب الاستقذار والعيافة ومنافاة الطّبع ، فانعدم معنى الفطر ، وهو بإيصال ما فيه نفع البدن إلى الجوف ، سواء أكان ممّا يتغذّى به أم يتداوى به . ولأنّ هذه المذكورات ليست غذائيّةً ، ولا في معنى الغذاء - كما يقول الطّحاويّ - ولتحقّق الإفطار في الصّورة ، وهو الابتلاع .
قال ابن عبّاس رضي الله عنهما: الفطر ممّا دخل .
وقال الزّيلعيّ: كلّ ما لا يتغذّى به ، ولا يتداوى به عادةً ، لا يوجب الكفّارة .
ثانيًا: قضاء الوطر أو الشّهوة على وجه القصور:
وذلك في الصّور الآتية:
41 -أ - تعمّد إنزال المنيّ بلا جماع ، وذلك كالاستمناء بالكفّ أو بالتّبطين والتّفخيذ ، أو باللّمس والتّقبيل ونحوهما فإنّه يوجب القضاء دون الكفّارة عند جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - وعند المالكيّة يوجب القضاء والكفّارة معًا .
ب - الإنزال بوطء ميّتة أو بهيمة ، أو صغيرة لا تشتهى:
42 -وهو يفسد الصّوم ، لأنّ فيه قضاء إحدى الشّهوتين ، وأنّه ينافي الصّوم ، ولا يوجب الكفّارة ، لتمكّن النّقصان في قضاء الشّهوة ، فليس بجماع خلافًا للحنابلة ، فإنّه لا فرق عندهم بين كون الموطوءة كبيرةً أو صغيرةً ، ولا بين العمد والسّهو ، ولا بين الجهل والخطأ ، وفي كلّ ذلك القضاء والكفّارة ، لإطلاق حديث الأعرابيّ .
والمالكيّة يوجبون في ذلك الكفّارة ، لتعمّد إخراج المنيّ .
ج - المساحقة بين المرأتين إذا أنزلت:
43 -عمل المرأتين ، كعمل الرّجال ، جماع فيما دون الفرج ، ولا قضاء على واحدة منهما، إلاّ إذا أنزلت ، ولا كفّارة مع الإنزال ، وهذا عند الحنفيّة وهو وجه عند الحنابلة ، وعلّله الحنابلة بأنّه ، لا نصّ في الكفّارة ، ولا يصحّ قياسه على الجماع .
قال ابن قدامة: وأصحّ الوجهين أنّهما لا كفّارة عليهما ، لأنّ ذلك ليس بمنصوص عليه ، ولا في معنى المنصوص عليه ، فيبقى على الأصل .
د - الإنزال بالفكر والنّظر:
44 -إنزال المنيّ بالنّظر أو الفكر ، فيه التّفصيل الآتي:
مذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلاّ قليلًا منهم أنّ الإنزال بالفكر - وإن طال - وبالنّظر بشهوة ، ولو إلى فرج المرأة مرارًا ، لا يفسد الصّوم ، وإن علم أنّه ينزل به ، لأنّه إنزال من غير مباشرة ، فأشبه الاحتلام .
قال القليوبيّ: النّظر والفكر المحرّك للشّهوة ، كالقبلة ، فيحرم وإن لم يفطر به .
ومذهب المالكيّة أنّه إن أمنى بمجرّد الفكر أو النّظر ، من غير استدامة لهما ، يفسد صومه ويجب القضاء دون الكفّارة . وإن استدامهما حتّى أنزل فإن كانت عادته الإنزال بهما عند الاستدامة ، فالكفّارة قطعًا ، وإن كانت عادته عدم الإنزال بهما عند الاستدامة ، فخالف عادته وأمنى ، فقولان في لزوم الكفّارة ، واختار اللّخميّ عدم اللّزوم .