قال النّوويّ: ولا يشترط أن ينتهي إلى حالة لا يمكنه فيها الصّوم ، بل قال أصحابنا: شرط إباحة الفطر أن يلحقه بالصّوم مشقّة يشقّ احتمالها ، وأمّا المرض اليسير الّذي لا يلحق به مشقّة ظاهره فلم يجز له الفطر ، بلا خلاف عندنا ، خلافًا لأهل الظّاهر .
وخوف الضّرر هو المعتبر عند الحنابلة ، أمّا خوف التّلف بسبب الصّوم فإنّه يجعل الصّوم مكروهًا ، وجزم جماعة بحرمته ، ولا خلاف في الإجزاء ، لصدوره من أهله في محلّه ، كما لو أتمّ المسافر .
قالوا: ولو تحمّل المريض الضّرر ، وصام معه ، فقد فعل مكروهًا ، لما يتضمّنه من الإضرار بنفسه ، وتركه تخفيفًا من اللّه وقبول رخصته ، لكن يصحّ صومه ويجزئه ، لأنّه عزيمة أبيح تركها رخصةً ، فإذا تحمّله أجزأه ، لصدوره من أهله في محلّه ، كما أتمّ المسافر ، وكالمريض الّذي يباح له ترك الجمعة ، إذا حضرها .
قال في المبدع: فلو خاف تلفًا بصومه ، كره ، وجزم جماعة بأنّه يحرم . ولم يذكروا خلافًا في الإجزاء .
ولخصّ ابن جزيّ من المالكيّة أحوال المريض بالنّسبة إلى الصّوم ، وقال: للمريض أحوال: الأولى: أن لا يقدر على الصّوم أو يخاف الهلاك من المرض أو الضّعف إن صام ، فالفطر عليه واجب .
الثّانية: أن يقدر على الصّوم بمشقّة ، فالفطر له جائز ، وقال ابن العربيّ: مستحبّ . الثّالثة: أن يقدر بمشقّة ، ويخاف زيادة المرض ، ففي وجوب فطره قولان .
الرّابعة: أن لا يشقّ عليه ، ولا يخاف زيادة المرض ، فلا يفطر عند الجمهور ، خلافًا لابن سيرين .
ونصّ الشّافعيّة على أنّه إذا أصبح الصّحيح صائمًا ، ثمّ مرض ، جاز له الفطر بلا خلاف ، لأنّه أبيح له الفطر للضّرورة ، والضّرورة موجودة ، فجاز له الفطر .
ثانيًا: السّفر:
57 -يشترط في السّفر المرخّص في الفطر ما يلي:
أ - أن يكون السّفر طويلًا ممّا تقصر فيه الصّلاة قال ابن رشد: وأمّا المعنى المعقول من إجازة الفطر في السّفر فهو المشقّة ، ولمّا كانت لا توجد في كلّ سفر ، وجب أن يجوز الفطر في السّفر الّذي فيه المشقّة ، ولمّا كان الصّحابة كأنّهم مجمعون على الحدّ في ذلك ، وجب أن يقاس ذلك على الحدّ في تقصير الصّلاة .
ب - أن لا يعزم المسافر الإقامة خلال سفره مدّة أربعة أيّام بلياليها عند المالكيّة والشّافعيّة، وأكثر من أربعة أيّام عند الحنابلة ، وهي نصف شهر أو خمسة عشر يومًا عند الحنفيّة .
ج - أن لا يكون سفره في معصية ، بل في غرض صحيح عند الجمهور ، وذلك: لأنّ الفطر رخصة وتخفيف ، فلا يستحقّها عاص بسفره ، بأن كان مبنى سفره على المعصية ، كما لو سافر لقطع طريق مثلًا .
والحنفيّة يجيزون الفطر للمسافر ، ولو كان عاصيًا بسفره ، عملًا بإطلاق النّصوص المرخّصة ، ولأنّ نفس السّفر ليس بمعصية ، وإنّما المعصية ما يكون بعده أو يجاوره ، والرّخصة تتعلّق بالسّفر لا بالمعصية .
د - أن يجاوز المدينة وما يتّصل بها ، والبناءات والأفنية والأخبية .
وذهب عامّة الصّحابة والفقهاء ، إلى أنّ من أدرك هلال رمضان وهو مقيم ، ثمّ سافر ، جاز له الفطر ، لأنّ اللّه تعالى جعل مطلق السّفر سبب الرّخصة ، بقوله: { وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } ، ولما ثبت من » أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة الفتح في رمضان مسافرًا ، وأفطر « .
ولأنّ السّفر إنّما كان سبب الرّخصة لمكان المشقّة .
وحكى النّوويّ عن أبي مخلد التّابعيّ أنّه لا يسافر ، فإن سافر لزمه الصّوم وحرّم الفطر وعن سويد بن غفلة التّابعيّ: أنّه يلزمه الصّوم بقيّة الشّهر ، ولا يمتنع السّفر ، واستدلّ لهما بقوله تعالى: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .
حكى الكاسانيّ عن عليّ وابن عبّاس - رضي الله تعالى عنهم - أنّه إذا أهلّ في المصر ، ثمّ سافر ، لا يجوز له أن يفطر .
واستدلّ لهم بقوله تعالى: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .
ولأنّه لمّا استهلّ في الحضر لزمه صوم الإقامة ، وهو صوم الشّهر حتمًا ، فهو بالسّفر يريد إسقاطه عن نفسه فلا يملك ذلك ، كاليوم الّذي سافر فيه ، فإنّه لا يجوز له أن يفطر فيه . 58 - وفي وقت جواز الفطر للمسافر ثلاث أحوال:
الأولى: أن يبدأ السّفر قبل الفجر ، أو يطلع الفجر وهو مسافر ، وينوي الفطر ، فيجوز له الفطر إجماعًا - كما قال ابن جزيّ - لأنّه متّصف بالسّفر ، عند وجود سبب الوجوب . الثّانية: أن يبدأ السّفر بعد الفجر ، بأن يطلع الفجر وهو مقيم ببلده ، ثمّ يسافر بعد طلوع الفجر ، أو خلال النّهار ، فإنّه لا يحلّ له الفطر بإنشاء السّفر بعدما أصبح صائمًا ، ويجب عليه إتمام ذلك اليوم ، وهذا مذهب الحنفيّة والمالكيّة ، وهو الصّحيح من مذهب الشّافعيّة ، ورواية عن أحمد . وذلك تغليبًا لحكم الحضر .
ومع ذلك لا كفّارة عليه في إفطاره عند الحنفيّة ، وفي المشهور من مذهب المالكيّة ، خلافًا لابن كنانة ، وذلك للشّبهة في آخر الوقت . ولأنّه لمّا سافر بعد الفجر صار من أهل الفطر ، فسقطت عنه الكفّارة .
والصّحيح عند الشّافعيّة أنّه يحرم عليه الفطر حتّى لو أفطر بالجماع لزمته الكفّارة . والمذهب عند الحنابلة وهو أصحّ الرّوايتين عن أحمد ، وهو ما ذهب إليه المزنيّ وغيره من الشّافعيّة: أنّ من نوى الصّوم في الحضر ، ثمّ سافر في أثناء اليوم ، طوعًا أو كرهًا ، فله الفطر بعد خروجه ومفارقته بيوت قريته العامرة ، وخروجه من بين بنيانها ، واستدلّوا بما يلي:
ظاهر قوله تعالى: { وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .