فهرس الكتاب

الصفحة 1387 من 2053

أو بيّتت الفطر امرأة لحيض اعتادته في يومها ، ثمّ حصل الحيض بعد فطرها ، وأولى إن لم يحصل .

أو أفطر لحجّامة فعلها بغيره ، أو فعلت به ، فظنّ الإباحة ، فإنّه يكفّر .

لكن قال الدّردير: المعتمد في هذا عدم الكفّارة ، لأنّه من القريب ، لاستناده لموجود ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: » أفطر الحاجم والمحجوم « .

أو اغتاب شخصًا في نهار رمضان ، فظنّ إباحة الفطر فأفطر ، فعليه الكفّارة .

ونصّ الشّافعيّة على أنّ من جامع عامدًا ، بعد الأكل ناسيًا ، وظنّ أنّه أفطر به ، لا كفّارة عليه ، وإن كان الأصحّ بطلان صومه بالجماع ، لأنّه جامع وهو يعتقد أنّه غير صائم ، فلم يأثم به ، لذلك قيل: لا يبطل صومه ، وبطلانه مقيس على من ظنّ اللّيل وقت الجماع ، فبان خلافه .

وعند القاضي أبي الطّيّب ، أنّه يحتمل أن تجب به الكفّارة ، لأنّ هذا الظّنّ لا يبيح الوطء . وأمّا لو قال: علمت تحريمه ، وجهلت وجوب الكفّارة ، لزمته الكفّارة بلا خلاف .

ونصّ الحنابلة على أنّه لو جامع في يوم رأى الهلال في ليلته ، وردّت شهادته لفسقه أو غيره ، فعليه القضاء والكفّارة ، لأنّه أفطر يومًا من رمضان بجماع ، فلزمته كما لو قبلت شهادته .

وإذا لم يعلم برؤية الهلال إلاّ بعد طلوع الفجر ، أو نسي النّيّة ، أو أكل عامدًا ، ثمّ جامع تجب عليه الكفّارة ، لهتكه حرمة الزّمن به ، ولأنّها تجب على المستديم للوطء ، ولا صوم هناك ، فكذا هنا .

الثّاني: الجهل:

54 -ب - الجهل: عدم العلم بما من شأنه أن يعلم .

فالجمهور من الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو مشهور مذهب المالكيّة ، على إعذار حديث العهد بالإسلام ، إذا جهل الصّوم في رمضان .

قال الحنفيّة: يعذر من أسلم بدار الحرب فلم يصم ، ولم يصلّ ، ولم يزكّ بجهله بالشّرائع ، مدّة جهله ، لأنّ الخطاب إنّما يلزم بالعلم به أو بدليله ، ولم يوجد ، إذ لا دليل عنده على فرض الصّلاة والصّوم .

وقال الشّافعيّة: لو جهل تحريم الطّعام أو الوطء ، بأن كان قريب عهد بالإسلام ، أو نشأ بعيدًا عن العلماء ، لم يفطر ، كما لو غلب عليه القيء .

والمعتمد عند المالكيّة: أنّ الجاهل بأحكام الصّيام لا كفّارة عليه ، وليس هو كالعامد .

وقسّم الدّسوقيّ الجاهل إلى ثلاثة:

فجاهل حرمة الوطء ، وجاهل رمضان ، لا كفّارة عليهما ، وجاهل وجوب الكفّارة - مع علمه بحرمة الفعل - تلزمه الكفّارة .

وأطلق الحنابلة وجوب الكفّارة ، كما قرّر بعض من المالكيّة ، وصرّحوا بالتّسوية بين العامد والجاهل والمكره والسّاهي والمخطئ .

خامسًا: عوارض الإفطار:

55 -المراد بالعوارض: ما يبيح عدم الصّوم .

وهي: المرض ، والسّفر ، والحمل ، والرّضاع ، والهرم ، وإرهاق الجوع والعطش ، والإكراه .

أوّلًا: المرض:

56 -المرض هو: كلّ ما خرج به الإنسان عن حدّ الصّحّة من علّة .

قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة .

والأصل فيه قول اللّه تعالى: { وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .

وعن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال: » لمّا نزلت هذه الآية: { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } كان من أراد أن يفطر ، يفطر ويفتدي ، حتّى أنزلت الآية الّتي بعدها يعني قوله تعالى: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } فنسختها « .

فالمريض الّذي يخاف زيادة مرضه بالصّوم أو إبطاء البرء أو فساد عضو ، له أن يفطر ، بل يسنّ فطره ، ويكره إتمامه ، لأنّه قد يفضي إلى الهلاك ، فيجب الاحتراز عنه .

ثمّ إنّ شدّة المرض تجيز الفطر للمريض .

أمّا الصّحيح إذا خاف الشّدّة أو التّعب ، فإنّه لا يجوز له الفطر ، إذا حصل له بالصّوم مجرّد شدّة تعب ، هذا هو المشهور عند المالكيّة ، وإن قيل بجواز فطره .

وقال الحنفيّة: إذا خاف الصّحيح المرض بغلبة الظّنّ فله الفطر ، فإن خافه بمجرّد الوهم ، فليس له الفطر .

وقال المالكيّة: إذا خاف حصول أصل المرض بصومه ، فإنّه لا يجوز له الفطر - على المشهور - إذ لعلّه لا ينزل به المرض إذا صام . وقيل: يجوز له الفطر .

فإن خاف كلّ من المريض والصّحيح الهلاك على نفسه بصومه ، وجب الفطر .

وكذا لو خاف أذىً شديدًا ، كتعطيل منفعة ، من سمع أو بصر أو غيرهما ، لأنّ حفظ النّفس والمنافع واجب ، وهذا بخلاف الجهد الشّديد ، فإنّه يبيح الفطر للمريض ، قيل: والصّحيح أيضًا .

وقال الشّافعيّة: إنّ المريض - وإن تعدّى بفعل ما أمرضه - يباح له ترك الصّوم ، إذا وجد به ضررًا شديدًا ، لكنّهم شرطوا لجواز فطره نيّة التّرخّص - كما قال الرّمليّ واعتمده - وفرّقوا بين المرض المطبق ، وبين المرض المتقطّع: فإن كان المرض مطبقًا ، فله ترك النّيّة في اللّيل .

وإن كان يحمّ وينقطع ، نظر: فإن كان محمومًا وقت الشّروع في الصّوم ، فله ترك النّيّة ، وإلاّ فعليه أن ينوي من اللّيل ، فإن احتاج إلى الإفطار أفطر .

ومثل ذلك الحصّاد والبنّاء والحارس - ولو متبرّعًا - فتجب عليهم النّيّة ليلًا ، ثمّ إن لحقتهم مشقّة أفطروا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت