وقد أخرج الشّيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّه صلى الله عليه وسلم قال: » من أصبح جنبًا فلا صوم له « وحمل على النّسخ أو الإرشاد إلى الأفضل ، وهو: أنّه يستحبّ أن يغتسل قبل الفجر ، ليكون على طهارة من أوّل الصّوم .
سادسًا: البلل في الفم:
76 -ممّا لا يفسد الصّوم البلل الّذي يبقى في الفم بعد المضمضة ، إذا ابتلعه الصّائم مع الرّيق ، بشرط أن يبصق بعد مجّ الماء ، لاختلاط الماء بالبصاق ، فلا يخرج بمجرّد المجّ ، ولا تشترط المبالغة في البصق ، لأنّ الباقي بعده مجرّد بلل ورطوبة ، لا يمكن التّحرّز عنه .
سابعًا: ابتلاع ما بين الأسنان:
77 -ابتلاع ما بين الأسنان ، إذا كان قليلًا ، لا يفسد ولا يفطر ، لأنّه تبع لريقه ، ولأنّه لا يمكن الاحتراز عنه ، بخلاف الكثير فإنّه لا يبقى بين الأسنان ، والاحتراز عنه ممكن . والقليل: هو ما دون الحمّصة ، ولو كان قدرها أفطر .
ومذهب زفر ، وهو قول للشّافعيّة: فساد الصّوم مطلقًا ، بابتلاع القليل والكثير ، لأنّ الفم له حكم الظّاهر ، ولهذا لا يفسد صومه بالمضمضة - كما قال المرغينانيّ - ولو أكل القليل من خارج فمه أفطر ، فكذا إذا أكل من فمه .
وللشّافعيّة قول آخر بعدم الإفطار به مطلقًا .
وشرط الشّافعيّة والحنابلة ، لعدم الإفطار بابتلاع ما بين الأسنان شرطين:
أوّلهما: أن لا يقصد ابتلاعه .
والآخر: أن يعجز عن تمييزه ومجّه ، لأنّه معذور فيه غير مفرّط ، فإن قدر عليهما أفطر ، ولو كان دون الحمّصة ، لأنّه لا مشقّة في لفظه ، والتّحرّز عنه ممكن .
ومذهب المالكيّة: عدم الإفطار بما سبق إلى جوفه من بين أسنانه ، ولو عمدًا ، لأنّه أخذه في وقت يجوز له أخذه فيه - كما يقول الدّسوقيّ - وقيل: لا يفطر ، إلاّ إن تعمّد بلعه فيفطر ، أمّا لو سبق إلى جوفه فلا يفطر .
ثامنًا: دم اللّثة والبصاق:
78 -لو دميت لثته ، فدخل ريقه حلقه مخلوطًا بالدّم ، ولم يصل إلى جوفه ، لا يفطر عند الحنفيّة ، وإن كان الدّم غالبًا على الرّيق ، لأنّه لا يمكن الاحتراز منه ، فصار بمنزلة ما بين أسنانه أو ما يبقى من أثر المضمضة ، أمّا لو وصل إلى جوفه ، فإن غلب الدّم فسد صومه، وعليه القضاء ولا كفّارة ، وإن غلب البصاق فلا شيء عليه ، وإن تساويا ، فالقياس أن لا يفسد وفي الاستحسان يفسد احتياطًا .
ولو خرج البصاق على شفتيه ثمّ ابتلعه ، فسد صومه ، وفي الخانيّة: ترطّبت شفتاه ببزاقه، عند الكلام ونحوه ، فابتلعه ، لا يفسد صومه ، وهذا ما ذهب إليه الحنفيّة .
ومذهب الشّافعيّة والحنابلة: الإفطار بابتلاع الرّيق المختلط بالدّم ، لتغيّر الرّيق ، والدّم نجس لا يجوز ابتلاعه وإذا لم يتحقّق أنّه بلع شيئًا نجسًا لا يفطر ، إذ لا فطر ببلع ريقه الّذي لم تخالطه النّجاسة .
تاسعًا: ابتلاع النّخامة:
79 -النّخامة هي: النّخاعة ، وهي ما يخرجه الإنسان من حلقه ، من مخرج الخاء المعجمة .
قال الفيّوميّ: هكذا قيّده ابن الأثير ، وهكذا قال المطرّزيّ ، وزاد: ما يخرج من الخيشوم عند التّنحنح .
ومذهب الحنفيّة ، والمعتمد عند المالكيّة: أنّ النّخامة سواء أكانت مخاطًا نازلًا من الرّأس ، أم بلغمًا صاعدًا من الباطن ، بالسّعال أو التّنحنح - ما لم يفحش البلغم - لا يفطر مطلقًا . وفي نصوص المالكيّة: إنّ البلغم لا يفطر مطلقًا ، ولو وصل إلى طرف اللّسان ، لمشقّته ، خلافًا لخليل ، الّذي رأى الفساد ، فيما إذا أمكن طرحه ، بأن جاوز الحلق ، ثمّ أرجعه وابتلعه ، وأنّ عليه القضاء .
وفي رواية عن أحمد أنّ ابتلاع النّخامة لا يفطر ، لأنّه معتاد في الفم غير واصل من خارج، فأشبه الرّيق .
وعند الشّافعيّة هذا التّفصيل:
إن اقتلع النّخامة من الباطن ، ولفظها فلا بأس بذلك في الأصحّ ، لأنّ الحاجة إليه ممّا يتكرّر، وفي قول: يفطر بها كالاستقاءة .
ولو صعدت بنفسها ، أو بسعاله ، ولفظها لم يفطر جزمًا .
ولو ابتلعها بعد وصولها إلى ظاهر الفم ، أفطر جزمًا .
وإذا حصلت في ظاهر الفم ، يجب قطع مجراها إلى الحلق ، ومجّها ، فإن تركها مع القدرة على ذلك ، فوصلت إلى الجوف ، أفطر في الأصحّ ، لتقصيره ، وفي قول: لا يفطر ، لأنّه لم يفعل شيئًا ، وإنّما أمسك عن الفعل .
ولو ابتلعها بعد وصولها إلى ظاهر الفم ، أفطر جزمًا .
ونصّ الحنابلة على أنّه يحرم على الصّائم بلع نخامة ، إذا حصلت في فمه ، ويفطر بها إذا بلعها ، سواء أكانت في جوفه أم صدره ، بعد أن تصل إلى فمه ، لأنّها من غير الفم ، فأشبه القيء ، ولأنّه أمكن التّحرّز منها فأشبه الدّم .
من أجل هذا الخلاف ، نبّه ابن الشّحنة على أنّه ينبغي إلقاء النّخامة ، حتّى لا يفسد صومه على قول الإمام الشّافعيّ ، وليكون صومه صحيحًا بالاتّفاق لقدرته على مجّها .
عاشرًا: القيء:
80 -يفرّق بين ما إذا خرج القيء بنفسه ، وبين الاستقاءة .
وعبّر الفقهاء عن الأوّل ، بما: إذا ذرعه القيء ، أي غلب القيء الصّائم .
فإذا غلب القيء ، فلا خلاف بين الفقهاء في عدم الإفطار به ، قلّ القيء أم كثر ، بأن ملأ الفم ، وهذا لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: » من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ، ومن استقاء عمدًا فليقض « .
أمّا لو عاد القيء بنفسه ، في هذه الحال ، بغير صنع الصّائم ، ولو كان ملء الفم ، مع تذكّر الصّائم للصّوم ، فلا يفسد صومه ، عند محمّد - من الحنفيّة - وهو الصّحيح عندهم ، لعدم وجود الصّنع منه ، ولأنّه لم توجد صورة الفطر ، وهي الابتلاع ، وكذا معناه ، لأنّه لا يتغذّى به عادةً ، بل النّفس تعافه .