قال الأبيّ: القضاء لما فات من رمضان بالعدد: فمن أفطر رمضان كلّه ، وكان ثلاثين ، وقضاه في شهر بالهلال ، وكان تسعةً وعشرين يومًا ، صام يومًا آخر . وإن فاته صوم رمضان وهو تسعة وعشرون يومًا ، وقضاه في شهر - وكان ثلاثين يومًا - فلا يلزمه صوم اليوم الأخير ، لقوله تعالى: { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .
وقال ابن وهب: إن صام بالهلال ، كفاه ما صامه ، ولو كان تسعةً وعشرين ، ورمضان ثلاثين .
وكذا قال القاضي من الحنابلة: إن قضى شهرًا هلاليًّا أجزأه ، سواء كان تامًّا أو ناقصًا وإن لم يقض شهرًا ، صام ثلاثين يومًا . وهو ظاهر كلام الخرقيّ .
قال المجد: وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وقال: هو أشهر .
ويجوز أن يقضي يوم شتاء عن يوم صيف ، ويجوز عكسه ، بأن يقضي يوم صيف عن يوم شتاء ، وهذا لعموم الآية المذكورة وإطلاقها .
وقضاء رمضان يكون على التّراخي . لكن الجمهور قيّدوه بما إذا لم يفت وقت قضائه ، بأن يهلّ رمضان آخر ، لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: » كان يكون عليّ الصّوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلاّ في شعبان ، لمكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم « . كما لا يؤخّر الصّلاة الأولى إلى الثّانية .
ولا يجوز عند الجمهور تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر ، من غير عذر يأثم به ، لحديث عائشة هذا ، فإن أخّر فعليه الفدية: إطعام مسكين لكلّ يوم ، لما روي عن ابن عبّاس وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم قالوا فيمن عليه صوم فلم يصمه حتّى أدركه رمضان آخر: عليه القضاء وإطعام مسكين لكلّ يوم ، وهذه الفدية للتّأخير ، أمّا فدية المرضع ونحوها فلفضيلة الوقت ، وفدية الهرم لأصل الصّوم ، ويجوز الإطعام قبل القضاء ومعه وبعده .
ومذهب الحنفيّة ، وهو وجه محتمل عند الحنابلة: إطلاق التّراخي بلا قيد ، فلو جاء رمضان آخر ، ولم يقض الفائت ، قدّم صوم الأداء على القضاء ، حتّى لو نوى الصّوم عن القضاء لم يقع إلاّ عن الأداء ، ولا فدية عليه بالتّأخير إليه ، لإطلاق النّصّ ، وظاهر قوله تعالى: { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .
وعند غير الحنفيّة يحرم التّطوّع بالصّوم قبل قضاء رمضان ، ولا يصحّ تطوّعه بالصّوم قبل قضاء ما عليه من رمضان ، بل يبدأ بالفرض حتّى يقضيه ، وإن كان عليه نذر صامه بعد الفرض ، لأنّ الصّوم عبادة متكرّرة ، فلم يجز تأخير الأولى عن الثّانية ، كالصّلوات المفروضة .
مسائل تتعلّق بالقضاء:
الأولى:
87 -إن أخّر قضاء رمضان - وكذا النّذر والكفّارة - لعذر ، بأن استمرّ مرضه أو سفره المباح إلى موته ، ولم يتمكّن من القضاء ، فلا شيء عليه ، ولا تدارك للغائب بالفدية ولا بالقضاء ، لعدم تقصيره ، ولا إثم به ، لأنّه فرض لم يتمكّن منه إلى الموت ، فسقط حكمه ، كالحجّ ، ولأنّه يجوز تأخير رمضان بهذا العذر أداءً ، فتأخير القضاء أولى ، كما يقول النّوويّ .
وسواء استمرّ العذر إلى الموت ، أم حصل الموت في رمضان ، ولو بعد زوال العذر كما قال الشّربينيّ الخطيب .
وقال أبو الخطّاب: يحتمل أن يجب الصّوم عنه أو التّكفير
الثّانية:
88 -لو أفطر بعذر واتّصل العذر بالموت فقد اتّفق الفقهاء على أنّه لا يصام عنه ولا كفّارة فيه ، لأنّه فرض لم يتمكّن من فعله إلى الموت فسقط حكمه ، كالحجّ .
أمّا إذا زال العذر وتمكّن من القضاء ، ولم يقض حتّى مات ففيه تفصيل:
فذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة في المذهب ، وهو الأصحّ والجديد عند الشّافعيّة - إلى أنّه لا يصام عنه ، لأنّ الصّوم واجب بأصل الشّرع لا يقضى عنه ، لأنّه لا تدخله النّيابة في الحياة فكذلك بعد الممات كالصّلاة .
وذهب الشّافعيّة في القديم ، وهو المختار عند النّوويّ ، وهو قول أبي الخطّاب من الحنابلة إلى أنّه يجوز لوليّه أن يصوم عنه ، زاد الشّافعيّة: ويصحّ ذلك ، ويجزئه عن الإطعام ، وتبرأ به ذمّة الميّت ولا يلزم الوليّ الصّوم بل هو إلى خيرته ، لحديث عائشة رضي الله عنها عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: » من مات وعليه صيام صام عنه وليّه « .
أمّا في وجوب الفدية فقد اختلفوا فيه على النّحو التّالي:
قال الحنفيّة: لو أخّر قضاء رمضان بغير عذر ، ثمّ مات قبل رمضان آخر أو بعده ، ولم يقض لزمه الإيصاء بكفّارة ما أفطره بقدر الإقامة من السّفر والصّحّة من المرض وزوال العذر ، ولا يجب الإيصاء بكفّارة ما أفطره على من مات قبل زوال العذر .
وذهب الشّافعيّة - في الجديد - إلى أنّه يجب في تركته لكلّ يوم مدّ من طعام .
وذهب الحنابلة في المذهب إلى الإطعام عنه لكلّ يوم مسكينًا .
والظّاهر من مذهب المالكيّة: وجوب مدّ عن كلّ يوم أفطره إذا فرّط ، بأن كان صحيحًا مقيمًا خاليًا من الأعذار .
ثانيًا: الكفّارة الكبرى:
89 -ثبتت الكفّارة الكبرى بالنّصّ في حديث الأعرابيّ الّذي واقع زوجته في نهار رمضان . ولا خلاف بين الفقهاء في وجوبها بإفساد الصّوم بالوقاع في الجملة ، وإنّما الخلاف في وجوبها بإفساده بالطّعام والشّراب: فتجب - في الجملة أيضًا - بإفساد صوم رمضان خاصّةً ، طائعًا متعمّدًا غير مضطرّ ، قاصدًا انتهاك حرمة الصّوم ، من غير سبب مبيح للفطر .
وقال الحنفيّة: إنّما يكفّر إذا نوى الصّيام ليلًا ، ولم يكن مكرهًا ، ولم يطرأ مسقط ، كمرض وحيض .
فلا كفّارة في الإفطار في غير رمضان ، ولا كفّارة على النّاسي والمكره - عند الجمهور - ولا على النّفساء والحائض والمجنون ، ولا على المريض والمسافر ، ولا على المرهق بالجوع والعطش ، ولا على الحامل ، لعذرهم .