فهرس الكتاب

الصفحة 1407 من 2053

12 -وما ذكر من حكم تصدّق المرأة من مال زوجها يطبّق على تصدّق الخازن من مال المالك، فقد ورد في حديث التّرمذيّ: » وللخازن مثل ذلك « أي: من الأجر ، أي: إنّهما سواء في المثوبة ، كلّ واحد منهما له أجر كامل ، كما قال ابن العربيّ ، أو معناه المشاركة في الأجر مطلقًا ، لأنّ المشارك في الطّاعة مشارك في الأجر ، وإن كان أحدهما أكثر من الآخر ، كما حقّقه النّوويّ .

تصدّق الزّوجة من مالها بأكثر من الثّلث:

13 -ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة وهو الرّاجح عند الحنابلة - إلى أنّ المرأة البالغة الرّشيدة لها حقّ التّصرّف في مالها ، بالتّبرّع ، أو المعاوضة ، سواء أكانت متزوّجةً ، أم غير متزوّجة .

وعلى ذلك فالزّوجة لا تحتاج إلى إذن زوجها في التّصدّق من مالها ولو كان بأكثر من الثّلث والدّليل على ذلك ما ثبت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال للنّساء: » تصدّقن ولو من حليّكنّ ، فتصدّقن من حليّهنّ « ولم يسأل ولم يستفصل ، فلو كان لا ينفذ تصرّفهنّ بغير إذن أزواجهنّ لما أمرهنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالصّدقة ، ولا محالة أنّه كان فيهنّ من لها زوج ومن لا زوج لها ، كما حرّره السّبكيّ .

ولأنّ المرأة من أهل التّصرّف ، ولا حقّ لزوجها في مالها ، فلم يملك الحجر عليها في التّصرّف بجميعه ، كما علّله ابن قدامة .

وقال المالكيّة: وهو رواية عند الحنابلة: يحجر على الزّوجة الحرّة الرّشيدة لزوجها البالغ الرّشيد في تبرّع زاد على الثّلث ، وذلك لما ورد أنّ امرأة كعب بن مالك ، أتت النّبيّ صلى الله عليه وسلم بحليّ لها ، فقال لها النّبيّ صلى الله عليه وسلم: » لا يجوز للمرأة عطيّة حتّى يأذن زوجها ، فهل استأذنت كعبًا ؟ فقالت: نعم ، فبعث النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى كعب ، فقال: هل أذنت لها أن تتصدّق بحليّها ؟ قال: نعم . فقبله رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « .

ولأنّ المقصود من مالها التّجمّل به لزوجها ، والمال مقصود في زواجها ، حيث قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: » تنكح المرأة لأربع: لمالها ، ولحسبها ، ولجمالها ، ولدينها « .

والعادة أنّ الزّوج يزيد في مهرها من أجل مالها ويتبسّط فيه ، وينتفع به ، فتعلّق حقّ الزّوج في مالها ومحلّ الحجر عليها في تبرّعها بزائد عن الثّلث من مالها إذا كان التّبرّع لغير زوجها . وأمّا له فلها أن تهب جميع مالها له ، ولا اعتراض عليها في ذلك لأحد .

هذا ، واتّفق الفقهاء على أنّ المريض مرض الموت ليس له أن يتصدّق من ماله بأكثر من الثّلث ( ر: مرض الموت ) .

ثانيًا: المتصدّق عليه:

14 -لا يشترط في المتصدّق عليه ما يشترط في المتصدّق ، من العقل ، والبلوغ ، والرّشد ، وأهليّة التّبرّع ، فيصحّ التّصدّق على الصّغير ، والمجنون ، والمحجور عليه بسفه ، أو إفلاس أو غيرهما ، لأنّ الصّدقة عليهم نفع محض لهم ، فلا تحتاج إلى إذن الأولياء .

وحيث إنّ الصّدقة تمليك بلا عوض لثواب الآخرة ، فهناك أشخاص لا تصحّ عليهم الصّدقة ، وآخرون تصحّ عليهم ، وقد فصّل الفقهاء هذا الموضوع كالتّالي:

أ - الصّدقة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم:

15 -يرى جمهور الفقهاء من المالكيّة ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة ، والصّحيح عند الحنابلة: أنّ صدقة التّطوّع كانت محرّمةً على النّبيّ صلى الله عليه وسلم مثل صدقة الفريضة المتّفق على حرمتها ، وذلك صيانةً لمنصبه الشّريف وقد روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: » كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أتي بطعام سأل عنه ، فإن قيل: صدقة قال لأصحابه: كلوا ، ولم يأكل ، وإن قيل له: هديّة ضرب بيده فأكل معهم « .

وعلى ذلك: فالصّدقة بالمعنى المعروف كانت محرّمةً على النّبيّ صلى الله عليه وسلم . وقد أبدل اللّه تعالى رسوله بها الفيء الّذي يؤخذ على سبيل الغلبة والقهر المبنيّ على عزّ الآخذ ، وذلّ المأخوذ منه .

ب - الصّدقة على آل النّبيّ صلى الله عليه وسلم:

16 -اتّفق الفقهاء: على عدم جواز صدقة الفريضة على آل محمّد صلى الله عليه وسلم ، لقوله عليه الصلاة والسلام: » إنّ الصّدقة لا تنبغي لآل محمّد ، إنّما هي أوساخ النّاس « .

أمّا صدقة التّطوّع ، فالجمهور على جوازها عليهم . والبعض يقولون: بعدم الجواز .

وتفصيل الموضوع ينظر في مصطلح: ( آل ف 4 و 10 ) .

ج - التّصدّق على ذوي القرابة والأزواج:

17 -لا خلاف بين الفقهاء في جواز التّصدّق على الأقرباء ، والأزواج صدقة التّطوّع ، بل صرّح بعضهم: بأنّه يسنّ التّصدّق عليهم ، ولهم أخذها ، ولو كانوا ممّن تجب نفقته على المتصدّق ، فعن أبي مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: » إذا أنفق الرّجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة « .

وقال صلى الله عليه وسلم: » الصّدقة على المسكين صدقة ، وعلى ذي الرّحم ثنتان: صدقة وصلة « .

قال الشّافعيّة: دفع الصّدقة لقريب أقرب فأقرب رحمًا ولو كان ممّن تجب عليه نفقته أفضل من دفعها لغير القريب ، وللقريب غير الأقرب للحديث المتقدّم ، ولخبر الصّحيحين: » أنّ امرأتين أتيتا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالتا لبلال: سل لنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هل يجزئ أن نتصدّق على أزواجنا ويتامى في حجورنا ؟ فقال: نعم لهما أجران: أجر القرابة ، وأجر الصّدقة « .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت