هذا وقد رتّب الشّافعيّة من يفضّل عليهم الصّدقة فقالوا: هي في الأقرب فالأقرب ، وفي الأشدّ منهم عداوةً أفضل منها في غيره ، وذلك ليتألّف قلبه ، ولما فيه من مجانبة الرّياء وكسر النّفس، وألحق بهم الأزواج من الذّكور والإناث ، ثمّ الرّحم غير المحرم ، كأولاد العمّ والخال .
ثمّ في الأقرب فالأقرب رضاعًا ، ثمّ مصاهرةً ، ثمّ ولاءً ، ثمّ جوارًا ، وقدّم الجار الأجنبيّ على قريب بعيد عن دار المتصدّق ، بحيث لا تنقل إليه الزّكاة ، ولو كان ببادية .
ومثله ما عند الحنابلة .
د - التّصدّق على الفقراء والأغنياء:
18 -الأصل أنّ الصّدقة تعطى للفقراء والمحتاجين ، وهذا هو الأفضل ، كما صرّح به الفقهاء . وذلك لقوله تعالى: { أَوْمِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ } .
واتّفقوا على أنّها تحلّ للغنيّ ، لأنّ صدقة التّطوّع كالهبة فتصحّ للغنيّ والفقير .
قال السّرخسيّ: ثمّ التّصدّق على الغنيّ يكون قربةً يستحقّ بها الثّواب ، فقد يكون غنيًّا يملك النّصاب ، وله عيال كثيرة ، والنّاس يتصدّقون على مثل هذا لنيل الثّواب .
لكن يستحبّ للغنيّ التّنزّه عنها ، ويكره له التّعرّض لأخذها ، لأنّ اللّه تعالى مدح المتعفّفين عن السّؤال مع وجود حاجتهم ، فقال: { يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ } .
ويكره له أخذها وإن لم يتعرّض لها .
ويحرم عليه أخذها إن أظهر الفاقة ، كما يحرم أن يسأل ، ويستوي في ذلك الغنيّ بالمال ، والغنيّ بالكسب ، لحديث: » من سأل النّاس أموالهم تكثّرًا فإنّما يسأل جمرًا ، فليستقلّ أو ليستكثر « أي: يعذّب به يوم القيامة .
لكن نقل الرّمليّ عن ابن عبد السّلام أنّ الصّحيح من مذهب الشّافعيّ: جواز طلبها للغنيّ ، ويحمل الذّمّ الوارد في الأخبار على الطّلب من الزّكاة الواجبة .
هـ - الصّدقة على الكافر:
19 -اختلف الفقهاء في جواز صدقة التّطوّع على الكافر ، وسبب الخلاف: هو أنّ الصّدقة تمليك لأجل الثّواب ، وهل يثاب الشّخص بالإنفاق على الكفّار ؟ .
فقال الحنابلة: وهو المشهور عند الشّافعيّة ، والمنقول عن محمّد في السّير الكبير: إنّه يجوز دفع صدقة التّطوّع للكفّار مطلقًا ، سواء أكانوا من أهل الذّمّة أم من الحربيّين ؟ مستأمنين أم غير مستأمنين ، وذلك لعموم قوله تعالى: { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا } . قال ابن قدامة: ولم يكن الأسير يومئذ إلاّ كافرًا .
ولقوله صلى الله عليه وسلم: » في كلّ كبد رطبة أجر « .
وقد ورد في حديث أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - قالت: » قدمت عليّ أمّي وهي مشركة في عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قلت: إنّ أمّي قدمت وهي راغبة ، أفأصل أمّي ؟ قال: نعم ، صلي أمّك « .
ولأنّ صلة الرّحم محمودة في كلّ دين ، والإهداء إلى الغير من مكارم الأخلاق .
وفرّق الحصكفيّ في الدّرّ بين الذّمّيّ وغيره فقال: وجاز دفع غير الزّكاة وغير العشر والخراج إلى الذّمّيّ - ولو واجبًا - كنذر وكفّارة وفطرة خلافًا لأبي يوسف .
وأمّا الحربيّ ولو مستأمنًا فجميع الصّدقات لا تجوز له .
ويقرب منه ما ذكره الشّربينيّ من الشّافعيّة حيث قال: قضيّة إطلاق حلّ الصّدقة للكافر ، أنّه لا فرق بين الحربيّ وغيره ، وهو ما في البيان عن الصّيمريّ والأوجه ما قاله الأذرعيّ من أنّ: هذا فيمن له عهد ، أو ذمّة أو قرابة أو يرجى إسلامه ، أو كان بأيدينا بأسر ونحوه . فإن كان حربيًّا ليس فيه شيء ممّا ذكر فلا .
ثالثًا: المتصدّق به:
20 -المتصدّق به هو: المال الّذي يعطى للفقير وذي الحاجة ، وحيث إنّ الصّدقة تمليك بلا عوض لأجل ثواب الآخرة ، فينبغي في المال المتصدّق به أن يكون من الحلال الطّيّب ، ولا يكون من الحرام أو ممّا فيه شبهة ، كما ينبغي أن يكون المتصدّق به مالًا جيّدًا ، لا رديئًا ، حتّى يحصل على خير البرّ وجزيل الثّواب .
وقد بحث الفقهاء هذه الأحكام ، وحكم التّصدّق من الأموال الرّديئة والحرام كالتّالي:
التّصدّق بالمال الحلال والحرام والمال المشتبه فيه:
21 -لقد حثّ الإسلام أن تكون الصّدقة من المال الحلال والطّيّب ، وأن تكون ممّا يحبّه المتصدّق .
فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: » ما تصدّق أحد بصدقة من طيّب ، ولا يقبل اللّه إلاّ الطّيّب ، إلاّ أخذها الرّحمن بيمينه ، وإن كانت تمرةً فتربو في كفّ الرّحمن حتّى تكون أعظم من الجبل ، كما يربّي أحدكم فلوّه أو فصيله « والمراد بالطّيّب هنا الحلال ، كما قال النّوويّ .
وعنه أيضًا: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: » أيّها النّاس إنّ اللّه طيّب لا يقبل إلاّ طيّبًا ، وإنّ اللّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السّماء يا ربّ يا ربّ ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذّي بالحرام ، فأنّى يستجاب لذلك .
قال النّوويّ: وهذا الحديث أحد الأحاديث الّتي هي من قواعد الإسلام ومباني الأحكام ... وفيه الحثّ على الإنفاق من الحلال ، والنّهي عن الإنفاق من غيره . وفيه أنّ المشروب والمأكول والملبوس ونحو ذلك ينبغي أن يكون حلالًا خالصًا لا شبهة فيه .