وحذّر الحسينيّ في كفاية الأخيار من أخذ مال فيه شبهة للتّصدّق به ، ونقل عن ابن عمر قوله: لأن أردّ درهمًا من حرام أحبّ إليّ أن أتصدّق بمائة ألف درهم ثمّ بمائة ألف درهم حتّى بلغ ستّمائة ألف .
وعلى هذا فيستحبّ أن يختار الرّجل أحلّ ماله ، وأبعده عن الحرام والشّبهة فيتصدّق به ، كما حرّره النّوويّ .
وإذا كان في عهدة المكلّف مال حرام ، فإن علم أصحابه وجب ردّه إليهم ، وإن لم يعلم أصحابه يتصدّق به .
أمّا الآخذ أي: المتصدّق عليه فإن عرف أنّ المال المتصدّق به من النّجس أو الحرام كالغصب ، أو السّرقة ، أو الغدر ، فيستحبّ له أن لا يأخذه ولا يأكل منه . ومع ذلك فقد أجاز أكثر الفقهاء أخذه له مع الكراهة .
يقول ابن عابدين: إذا كان عليه ديون ومظالم لا يعرف أربابها ، وأيس من معرفتهم ، فعليه التّصدّق بقدرها من ماله ، وإن استغرقت جميع ماله .
وقال ابن الهمام: يؤمر بالتّصدّق بالأموال الّتي حصلت بالغدر ، كالمال المغصوب .
قال الجمل من الشّافعيّة: لو تصدّق أو وهب أو أوصى بالنّجس صحّ على معنى نقل اليد ، لا التّمليك .
وصرّح الحنابلة: بأنّ من بيده نحو غصوب ، أو رهون ، أو أمانات ، لا يعرف أربابها ، وأيس من معرفتهم ، فله الصّدقة بها منهم ، أي: من قبلهم . وقال بعضهم: يجب عليه التّصدّق . وكذلك الحكم في الدّيون الّتي جهل أربابها عند الحنابلة .
أمّا الأموال الّتي فيها شبهة فالأولى الابتعاد عنها ، ولهذا قال النّوويّ في التّصدّق بما فيه شبهة: إنّه مكروه .
قد ورد في الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم: » الحلال بيّن ، والحرام بيّن ، وبينهما مشبّهات لا يعلمها كثير من النّاس ، فمن اتّقى المشبّهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشّبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه « .
التّصدّق بالجيّد والرّديء:
22 -يستحبّ في الصّدقة أن يكون المتصدّق به أي: المال المعطى من أجود مال المتصدّق وأحبّه إليه ، قال اللّه تعالى: { لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ } .
قال القرطبيّ: والمعنى لن تكونوا أبرارًا حتّى تنفقوا ممّا تحبّون ، أي: نفائس الأموال وكرائمها، وكان السّلف - رضي الله عنهم - إذا أحبّوا شيئًا جعلوه للّه تعالى .
فقد ورد في حديث متّفق عليه: » أنّ أبا طلحة كان أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل ، وكان أحبّ أمواله إليه بيرحاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيّب ، قال أنس - راوي الحديث - فلمّا أنزلت هذه الآية: { لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } قام أبو طلحة إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول: { لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } وإنّ أحبّ أموالي إليّ بيرحاء ، وإنّها صدقة للّه ، أرجو برّها وذخرها عند اللّه فضعها يا رسول اللّه حيث أراك اللّه قال: فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: بخ ذلك مال رابح « .
وكان عمر بن عبد العزيز يشتري أعدالًا من سكّر ويتصدّق بها ، فقيل له: هلاّ تصدّقت بقيمتها؟ قال: لأنّ السّكّر أحبّ إليّ فأردت أن أنفق ممّا أحبّ .
والمراد بالآية حصول كثرة الثّواب بالتّصدّق ممّا يحبّه . ولا يلزم أن يكون المال المتصدّق به كثيرًا ، ويستحبّ التّصدّق ولو بشيء نزر ، قال اللّه تعالى: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ } وفي الحديث الصّحيح: » اتّقوا النّار ولو بشقّ تمرة « .
ونهى اللّه سبحانه وتعالى عن التّصدّق بالرّديء من المال ، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } أي: لا تتصدّقوا بالصّدقة من المال الخبيث ، ولا تفعلوا مع اللّه ما لا ترضونه لأنفسكم .
ورجّح ابن العربيّ: أنّ الآية في صدقة التّطوّع حيث قال: لو كانت في الفريضة لما قال: { وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ } لأنّ الرّديء والخبيث لا يجوز أخذه في الفرض بحال ، لا مع تقدير الإغماض ولا مع عدمه ، وإنّما يؤخذ مع عدم الإغماض في النّفل .
وقال القرطبيّ: والظّاهر من قول براء ، والحسن ، وقتادة ، أنّ الآية في التّطوّع ، ندبوا إليه أن لا يتطوّعوا إلاّ بممتاز جيّد وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم في رجل علّق قنو حشف في المسجد: » لو شاء ربّ هذه الصّدقة تصدّق بأطيب منها « .
وقال: » إنّ ربّ هذه الصّدقة يأكل الحشف يوم القيامة « .
التّصدّق بكلّ ماله:
23 -يستحبّ أن تكون الصّدقة بفاضل عن كفايته ، وكفاية من يمونه ، وإن تصدّق بما ينقص مؤنة من يمونه أثم . ومن أراد التّصرّف بماله كلّه ، وهو يعلم من نفسه حسن التّوكّل والصّبر عن المسألة فله ذلك ، وإلاّ فلا يجوز .
ويكره لمن لا صبر له على الضّيق أن ينقص نفقة نفسه عن الكفاية التّامّة .
وهذا ما صرّح به فقهاء الحنفيّة وقال المالكيّة: إنّ الإنسان ما دام صحيحًا رشيدًا له التّبرّع بجميع ماله على كلّ من أحبّ .
قال في الرّسالة: ولا بأس أن يتصدّق على الفقراء بماله كلّه للّه .