لكن قال النّفراويّ: محلّ ندب التّصدّق بجميع المال أن يكون المتصدّق طيّب النّفس بعد الصّدقة بجميع ماله ، لا يندم على البقاء بلا مال . وأنّ ما يرجوه في المستقبل مماثل لما تصدّق به في الحال ، وأن لا يكون يحتاج إليه في المستقبل لنفسه ، أو لمن تلزمه نفقته ، أو يندب الإنفاق عليه ، وإلاّ لم يندب له ذلك بل يحرم عليه إن تحقّق الحاجة لمن تلزمه نفقته ، أو يكره إن تيقّن الحاجة لمن يندب الإنفاق عليه ، لأنّ الأفضل أن يتصدّق بما يفضل عن حاجته ومؤنته ، ومؤنة من ينفق عليه .
ويقول ابن قدامة: الأولى أن يتصدّق من الفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه على الدّوام لقوله عليه الصلاة والسلام: » خير الصّدقة ما كان عن ظهر غنىً ، وابدأ بمن تعول « ولأنّ نفقة من يمونه واجبة والتّطوّع نافلة ، وتقديم النّفل على الفرض غير جائز .
فإن كان الرّجل لا عيال له ، فأراد الصّدقة بجميع ماله وكان ذا مكسب ، أو كان واثقًا من نفسه يحسن التّوكّل والصّبر على الفقر والتّعفّف عن المسألة فحسن ، وروي عن عمر - رضي الله عنه - قال: » أمرنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن نتصدّق فوافق ذلك مالًا عندي ، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا ، فجئت بنصف مالي ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك ؟ قلت: مثله . قال: وأتى أبو بكر بكلّ ما عنده فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك ؟ قال: أبقيت لهم اللّه ورسوله ، فقلت لا أسابقك إلى شيء بعده أبدًا « .
قال ابن قدامة: فهذا كان فضيلةً في حقّ أبي بكر الصّدّيق - رضي الله عنه - لقوّة يقينه ، وكمال إيمانه ، وكان أيضًا تاجرًا ذا مكسب ، فإن لم يوجد في المتصدّق أحد هذين كره له التّصدّق بجميع ماله .
فقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: » يأتي أحدكم بما يملك ، ويقول هذه صدقة ، ثمّ يقعد يستكفّ النّاس ، خير الصّدقة ما كان عن ظهر غنىً « ، ولأنّ الإنسان إذا أخرج جميع ماله لا يأمن فتنة الفقر ، وشدّة نزاع النّفس إلى ما خرج منه فيندم ، فيذهب ماله ، ويبطل أجره ، ويصير كلًا على النّاس .
واتّفق قول الشّافعيّة مع سائر الفقهاء في: أنّ ما يحتاج إليه لعياله ودينه لا يجوز له أن يتصدّق به ، وإن فضل عن ذلك شيء ، فهل يستحبّ أن يتصدّق بجميع الفاضل ؟ فيه عندهم أوجه ، أصحّها: إن صبر على الضّيق فنعم ، وإلاّ فلا بل يكره ذلك ، قالوا: وعليه تحمل الأخبار المختلفة الظّاهر .
رابعًا: النّيّة:
24 -الصّدقة قربة ، لأنّها تمليك بلا عوض ، لأجل ثواب الآخرة ، فلا بدّ فيها من النّيّة ، وقد ورد في الحديث أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: » إنّما الأعمال بالنّيّات « ويستحبّ في الصّدقة أن ينوي المتصدّق ثوابها لجميع المؤمنين والمؤمنات .
وقد ذكر بعض الفقهاء أنّ كلّ من أتى بعبادة ما سواء أكانت صلاةً أم صومًا أم صدقةً أم قراءةً ، له أن يجعل ثوابه لغيره وإن نواها لنفسه .
قال ابن عابدين: والأفضل لمن يتصدّق نفلًا أن ينوي لجميع المؤمنين والمؤمنات ، لأنّها تصل إليهم ، ولا ينقص من أجره شيء .
وتفصيل أحكام النّيّة في مصطلح: ( نيّة ) .
إخفاء صدقة التّطوّع:
25 -الأفضل في صدقة التّطوّع أن تكون سرًّا ، وهذا عند أكثر الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وإن كانت تصحّ ويثاب عليها في العلن ، قال اللّه تعالى: { إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } .
وفي الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا: » سبعة يظلّهم اللّه في ظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه « وذكر منهم » رجلًا تصدّق أخفى حتّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه « .
ولما روي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: » صنائع المعروف تقي مصارع السّوء ، وصدقة السّرّ تطفئ غضب الرّبّ ، وصلة الرّحم تزيد في العمر « .
ولأنّ الإسرار بالتّطوّع يخلو عن الرّياء والمنّ ، وإعطاء الصّدقة سرًّا يراد به رضا اللّه سبحانه وتعالى وحده .
ونقل عن ابن عبّاس - رضي الله عنهما - قوله: صدقة السّرّ في التّطوّع أفضل من صدقة العلانية بسبعين ضعفًا .
قال ابن العربيّ: والتّحقيق فيه أنّ الحال في الصّدقة يختلف بحال المعطي لها والمعطى إيّاها والنّاس الشّاهدين لها .
أمّا المعطي فله فائدة إظهار السّنّة وثواب القدوة ، وآفتها الرّياء ، والمنّ ، والأذى .
وأمّا المعطى إيّاها فإنّ السّرّ أسلم له من احتقار النّاس له ، أو نسبته إلى أنّه أخذها مع الغنى وترك التّعفّف .
وأمّا حال النّاس فالسّرّ عنهم أفضل من العلانية لهم ، من جهة أنّهم ربّما طعنوا على المعطي لها بالرّياء ، وعلى الآخذ لها بالاستغناء ، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصّدقة . لكنّ هذا اليوم قليل ويقول الخطيب: إن كان المتصدّق ممّن يقتدى به ، وأظهرها ليقتدى به من غير رياء ولا سمعة، فهو أفضل .
أمّا صدقة الفرض فلا خلاف أنّ إظهارها أفضل كصلاة الفرض وسائر الفرائض .
ترك المنّ والأذى:
26 -يحرم المنّ والأذى بالصّدقة ، ويبطل الثّواب بذلك ، فقد نهى اللّه تعالى عن المنّ والأذى ، وجعلهما مبطلين للصّدقات حيث قال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ } .