وحثّ سبحانه وتعالى المنفقين في سبيل اللّه بعدم إتباع ما أنفقوا منًّا ولا أذىً فقال: { الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذىً لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } .
ولا خلاف بين الفقهاء ، في أنّ المنّ والأذى في الصّدقة حرام يبطل الثّواب .
قال القرطبيّ: عبّر تعالى عن عدم القبول وحرمان الثّواب بالإبطال .
وقال الشّربينيّ: المنّ بالصّدقة حرام مبطل للأجر للآية السّابقة ، ولخبر مسلم: » ثلاثة لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة ، ولا ينظر إليهم ولا يزكّيهم ، ولهم عذاب أليم . قال: فقرأها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار . قال أبو ذرّ: خابوا وخسروا ، من هم يا رسول اللّه ؟ قال: المسبل ، والمنّان ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب « .
وجعله البهوتيّ من الكبائر فقال: ويحرم المنّ بالصّدقة وغيرها ، وهو من الكبيرة ويبطل الثّواب بذلك .
وهل تبطل المعصية الطّاعة ؟ فيه خلاف . قال القرطبيّ: العقيدة أنّ السّيّئات لا تبطل الحسنات ، ولا تحبطها . فالمنّ والأذى في صدقة لا يبطل صدقةً أخرى
التّصدّق في المسجد:
27 -اختلف الفقهاء في حكم التّصدّق في المسجد ، وأكثرهم على جوازه مع الكراهة ، وبعضهم بيّنوا له شروطًا لا يجوز بغيرها .
قال ابن عابدين: لا يحلّ أن يسأل شيئًا من له قوت يومه بالفعل أو بالقوّة ، كالصّحيح المكتسب، ويأثم معطيه إن علم بحاله ، لأنّه أعانه على المحرّم ، والمختار أنّ السّائل إذا كان لا يمرّ بين يدي المصلّي ، ولا يتخطّى الرّقاب ، ولا يسأل إلحافًا ، بل لأمر لا بدّ منه ، فلا بأس بالسّؤال والإعطاء . ثمّ قال نقلًا عن البزّازيّة: ولا يجوز الإعطاء إذا لم يكونوا على تلك الصّفة .
وما نقله القرطبيّ عن البراء بن عازب من تعليق رجل قنو حشف في المسجد يدلّ كذلك على مطلق الجواز ، وإن كان لم يعتبر من الطّيّبات كما يدلّ على الجواز أيضًا ما رواه أبو داود عن عبد الرّحمن بن أبي بكر قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: » هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينًا ؟ فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرّحمن فأخذتها فدفعتها إليه « .
ويقول البهوتيّ: يكره سؤال الصّدقة في المسجد ، والتّصدّق عليه ، لأنّه إعانة على المكروه ، ثمّ يقول: ولا يكره التّصدّق على غير السّائل ولا على من سأل له الخطيب .
وتفصيل الموضوع في مصطلح: ( مسجد )
الأحوال والأماكن الّتي تفضّل فيها الصّدقة:
28 -ذكر الفقهاء الحالات والأماكن الّتي تفضّل فيها الصّدقة ، ويكون أجرها أكثر من غيرها ، ومن هذه الحالات والأماكن ما يأتي:
قال الشّربينيّ الخطيب: دفع صدقة التّطوّع في رمضان أفضل من دفعها في غيره ، لما رواه التّرمذيّ عن أنس - رضي الله عنه -: » سئل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أيّ الصّدقة أفضل ؟ قال: صدقة في رمضان « . ولأنّ الفقراء فيه يضعفون ويعجزون عن الكسب بسبب الصّوم .
وتتأكّد في الأيّام الفاضلة كعشر ذي الحجّة ، وأيّام العيد ، وكذا في الأماكن الشّريفة ، كمكّة والمدينة ، وفي الغزو ، والحجّ ، وعند الأمور المهمّة ، كالكسوف والمرض والسّفر .
ثمّ نقل عن الأذرعيّ قوله: ولا يفهم من هذا أنّ من أراد التّطوّع بصدقة ، أو برّ في رجب ، أو شعبان مثلًا ، أنّ الأفضل له أن يؤخّره إلى رمضان أو غيره من الأوقات الفاضلة ، بل المسارعة إلى الصّدقة أفضل بلا شكّ ، وإنّما المراد أنّ التّصدّق في رمضان وغيره من الأيّام الفاضلة أعظم أجرًا ممّا يقع في غيرها .
وزاد الحنابلة فقالوا: وفي أوقات الحاجة أفضل منها في غيرها لقوله تعالى: { أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ } .
وعلّل الحنابلة فضل الصّدقة في رمضان بأنّ الحسنات تضاعف فيه ، ولأنّ فيه إعانةً على أداء الصّوم المفروض ، ومن فطّر صائمًا كان له أجر مثله .
ويستحبّ استحبابًا مؤكّدًا ، التّوسيع على العيال ، والإحسان إلى الأقارب والجيران في شهر رمضان - لا سيّما في عشرة آخره ، لأنّ فيه ليلة القدر ، فهو أفضل ممّا عداه من الأيّام الأخرى
الرّجوع في الصّدقة:
29 -اتّفق الفقهاء على أنّه لا يصحّ للمتصدّق أن يرجع في صدقته ، لأنّ المقصود بالصّدقة الثّواب ، وقد حصل ، وإنّما الرّجوع يكون عند تمكّن الخلل فيما هو المقصود كما يقول السّرخسيّ .
ويستوي أن تكون الصّدقة على غنيّ أو فقير في أن لا رجوع فيها ، كما صرّح به فقهاء الحنفيّة.
وعمّم المالكيّة الحكم فقالوا: كلّ ما يكون لثواب الآخرة لا رجوع فيها ، ولو من والد لولده لكنّهم قالوا: للوالد أن يعتصر ما وهبه لابنه وذلك بشروط تذكر في: ( هبة ) .
ونصوص الشّافعيّة والحنابلة تتّفق مع سائر الفقهاء في عدم صحّة رجوع المتصدّق في صدقته أمّا الرّجوع في الهبة فتذكر أحكامها في مصطلح: ( هبة ) .